جاءت دائرة الرعاية لتفرّق الإخوة السبعة... ففتحت الجارة ملفًا قلب الحقيقة رأسًا على عقب!
بوضوح.
قالت إن حق الأطفال في العيش مع الأسرة لا يعني إعادتهم إلى شخص عرّضهم للخطر.
وقالت إن الإخوة يجب أن يبقوا معًا طالما توجد شبكة آمنة حولهم.
وقالت إن زينب وأم أحمد أثبتتا الرعاية والاستقرار والالتزام.
لم أفهم كل شيء.
لكنني رأيت زينب تبكي ويداها على فمها.
وعرفت أن هناك شخصًا يملك سلطة صدّقها أخيرًا.
خسرت أمي الحضانة.
لم تخسر إمكانية رؤيتنا إلى الأبد، لكنها حصلت فقط على زيارات تحت إشراف، وعلاج، والتزامات واضحة.
سمعت كل ذلك ووجهها قاسٍ.
وعندما خرجنا، نادتني.
حسين.
توقفت.
أمسكت زينب يدي، لكنها لم تسحبني.
نظرت إليّ أمي وكأنها تبحث في وجهي عن الطفل الذي يمكنها أن تؤثر عليه مرة أخرى.
قالت
انتبه على إخوتك.
شعرت بشيء ينكسر داخلي.
ليس لأنها طلبت مني ذلك.
بل لأنها ما زالت تجرؤ أن تضع على كتفي ما هربت منه.
قلت لها
لا.
فتحت عينيها بدهشة.
ماذا؟
كان صوتي يرتجف.
لكنني قلتها.
يهتم بهم من يبقى. أنا أيضًا أريد أن أكون طفلًا.
أطلقت أم أحمد شهقة بكاء خلفي.
لم ترد أمي.
مشت في ممر المحكمة، تحمل بطنها ووحدتها.
في
لم تكن مناسبة فرح، لكن أم أحمد قالت إن بعض الانتصارات تحتاج إلى قدر دولمة ولبن بارد.
ضحكت زينب لأول مرة منذ زمن طويل وفمها ممتلئ بالطعام.
ومشى أحمد ثلاث خطوات.
صرخنا جميعًا وكأن العراق فاز بكأس العالم.
خاف الطفل وجلس على الأرض فجأة.
ثم ضحك هو أيضًا.
مرت السنوات.
لم تكن كلها سهلة.
سارة صارت تخاف عندما يغلق أحد الباب بقوة.
علي أصبح أكثر جدية.
والتوأم مصطفى وسجى كبرا وهما لا يفترقان.
أما أحمد، فتعلم أن يقول ماما أحمد قبل أن يقول ماما، لأنه كان ينادي أم أحمد هكذا بطريقته الصغيرة.
أنهت زينب دراستها المسائية.
في اليوم الذي حصلت فيه على شهادتها، بكت أكثر من يوم نجونا من التفريق.
قالت
إنها مجرد ورقة.
وضعت أم أحمد يديها على كتفيها.
لا يا ابنتي. هذه باب.
أنا درست الخدمة الاجتماعية.
لم أخطط لذلك.
لكن في يوم ما فهمت أنني لا أريد أن أنسى صوت قلم موظفة الرعاية وهو يكتب مصيرنا.
أردت أن أكون في الجهة الأخرى من الطاولة، وأتذكر أن كل ملف له رائحة شوربة، وإخوة متلاصقون، وفتاة عمرها 18 سنة تصرخ أنا مصلحتهم.
كبرت أم أحمد معنا.
وصار بيتها وبيتنا كأنهما بيت واحد.
أزلنا السياج الصغير بين الفناءين.
زرعت نعناعًا وريحانًا وشجرة ليمون لم تكن تثمر كثيرًا، لكنها كانت تدافع عنها كأنها شيء مقدس.
كانت تقول
العائلة أيضًا تحتاج وقتًا حتى تثمر.
ظهرت أمي عدة مرات.
أحيانًا كانت بحال أفضل.
وأحيانًا لا.
أنجبت الطفل.
ثم تركته عند قريبة للرجل صاحب القميص الأحمر، واختفت مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يدمرنا الأمر كما كان سابقًا.
الألم يصبح أخف عندما يفهم الإنسان أن الترك يحكي عن الذي يرحل، لا عن الذي يبقى واقفًا ينظر إلى الباب.
يوم تخرجت من الجامعة، أخذت أم أحمد معي إلى القاعة.
كانت زينب تمشي بجانبي ومعها أحمد، الذي صار شابًا طويلًا، يلبس قميصًا أبيض.
وسارة كانت تحمل وردًا.
وعلي كان يصور كل شيء.
أما التوأم، فوصلوا متأخرين لأنهم ضاعوا في الطريق، كعادتهم دائمًا.
عندما نادوا اسمي، بحثت عن أم أحمد بين الناس.
كانت تبكي وتمسح عينيها بمنديل.
وبعد الحفل، في الخارج، أعطيتها شهادة التكريم.
هذه أيضًا لكِ.
ضربتني بخفة على ذراعي.
لا تبدأ بكلام المسلسلات.
قلت لها
أنتِ جئتِ بقدر شوربة وملف أصفر. هذا وحده يصلح لمسلسل كامل.
ضحكت.
ثم أصبحت جادة.
لا يا حسين. أنا جئت لأنكم كنتم أحياء. والأحياء يجب أن نحميهم.
ولم أعد أخجل من البكاء.
اليوم، عندما أمر من ذلك الشارع في بغداد، ما زلت أرى الطفل الذي كنته وهو يكنس الرصيف، يجمع شجاعته حتى يقول إن أمه رحلت.
أرى زينب بعينيها المتعبتين وهي تحضر طعام المدرسة.
أرى أحمد يبحث عن حضن.
أرى سارة ممسكة بقميصي، والتوأم يبكيان لأن امرأة تحمل ملفًا كان يمكن أن تقسمنا إلى أجزاء.
لكنني أرى أيضًا أم أحمد وهي تعبر الشارع ومعها قدر شوربة ساخنة.
أرى الملف الأصفر.
أرى الأدلة.
أرى اليد المتجعدة التي وقفت بيننا وبين العالم.
أمي ذهبت هاربة من دَين.
وأم أحمد بقيت تدفع من وقتها وطعامها وحبها ثمن شيء لم تكن هي سببه.
ولهذا تعلمت أن العائلة ليست دائمًا من تجلبك إلى الحياة.
أحيانًا العائلة هي من يطرق الباب عندما يهرب الجميع.
من يضع الشوربة على الطاولة.
من يحتفظ بالأدلة عندما لا يسمعك أحد.
من ينظر إلى سبعة أطفال متروكين، ولا يسأل كم سيكون حملهم ثقيلًا، بل
نحن لم نتفرق.
ليس لأن الحياة كانت طيبة معنا.
بل لأن جارة واحدة قررت أن المصيبة لن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة.
ولأن أختي، بعمر 18 سنة وروح متعبة، علمتنا شيئًا ما زال يسندني حتى اليوم
يمكن للعائلة أن تبقى بلا أم.
لكن ما دام هناك شخص لا يترك يد أصغر واحد فيها، فهي لم تضع بعد.