ظهرت أمه بعد 17 سنة لتأخذه معها... لكن رسالة قديمة قلبت كل شيء!
أمك إلهام طلبت مني ما أگلك منو هي، يمّه... حتى لا تكبر وإنت تدور على طيف ما تگدر توصله.
حسّيت الأرض تغوص تحت ركبتي.
لورين بطّلت تبتسم.
وكعبها الأحمر رجع خطوة لورا.
وشفت الخوف بعيونها لأول مرة بحياتي.
رفعت راسي ونظرت إلها.
أي أوراق تقصدين؟
لورين عدّلت جنطتها على كتفها.
وابتسمت ابتسامة باردة، ابتسامة ناس عايشين بنص كذبة ومتعلمين يغطّونها بفلوسهم.
أوراق يا علي. مستندات. جواز سفر. حضانة. شغلات كبار إنت ما تفهمها.
قلت
فهميني.
علي، لا تصير عنيد. اركب بالسيارة.
قلت مرة ثانية
فهميني.
جدتي وراي قامت من الكرسي.
قامت ببطء شديد، وإيدها مستندة على طاولة الطحين.
سمعت طقطقة عظامها.
أربعين سنة وهي تشيل صواني.
أربعين سنة تقوم قبل الفجر.
أربعين سنة تتحمل وتسكت.
مشت على جنب.
ومن غير ما تنظر إلى لورين، أخذت الصندوق القديم المربوط بخيط، نفس الصندوق اللي أعطتني إياه أم خليل في الصباح.
حطته فوق طاولة الطحين.
فكت الخيط.
وأخرجت منه ثلاث أشياء.
شهادة باسم إلهام، أمي الحقيقية.
شهادة وفاة بتاريخ اليوم الذي وُلدت فيه وماتت فيه أمي.
وظرفًا أصفر عليه ختم القنصلية العراقية في هيوستن، مختوم ومغلق لم يُفتح من قبل.
توقفت ابتسامة لورين تمامًا.
وتراجع كعبها الأحمر خطوة واحدة.
خطوة واحدة فقط.
لكنني رأيتها.
قالت بصوت
شنو يسوي هذا الظرف هنا؟
جدتي لم تجب.
أمسكت الظرف بأصابعها اليابسة.
فتحته ببطء، كأنه مصنوع من زجاج.
وأخرجت منه ورقتين مطويتين.
ثم أعطتهما لي.
قالت
اقرأ يمّه. بصوت عالي. خلي هاي الست تسمع شنو أمك إلهام خلتلك من تحت التراب.
وقعت جنطة لورين على الأرض.
ولم تنحنِ لتلتقطها.
فتحت الورقتين بيدين ترتجفان.
كان الخط لامرأة شابة.
خط مائل قليلًا.
وحبر أزرق ذاب في بعض الأماكن، كأنها كتبته وهي تبكي.
بدأت أقرأ
يمّه، إذا تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أعد موجودة. الطبيب قال إن حالتي صعبة، وإن الضغط صار خطرًا عليّ وعلى الطفل، ويمكن ما أطلع من غرفة الولادة. لذلك أكتب لكِ سرًا من المستشفى، قبل أن تصل أختي لورين من هيوستن...
ارتخت ركبتا لورين.
ومسكت طرف إطار الباب حتى لا تقع.
أكملت القراءة
يمّه، لا تتركي ابني مع لورين. أرجوكِ. أعرف أنها ستأتي مسرعة عندما تعرف، ليس لأنها تحبني، ولا لأنها تحب الطفل، بل لأن حياتها هناك مبنية على أوراق وكذبة. لورين لا تريد ابنًا... لورين تريد اسمًا تنقذ به بيتها وزواجها. لا تسلميها ابني. دعيه يكبر عندكِ. لا تخبريه كثيرًا عني حتى لا يعيش عمره يبحث عن أم رحلت. قولي له فقط إن أمه أحبته في آخر نفس، وإنني أمانة برقبتكِ.
كان صوتي يتكسر مع كل كلمة.
ولورين خلفي
الكعب الأحمر التوى تحتها.
والمكياج سال على وجهها.
قالت بصوت خافت
مو مثل ما مبين...
رفعت عيني نحوها.
قلت
كم أخذتِ فلوس باسمي طول سبعة عشر سنة؟
لم تجب.
قلت مرة ثانية
كم يا ست لورين؟
قالت
علي، إنت ما تفهم النظام هناك...
صرخت
كم؟
وضعت جدتي يدها على كتفي.
وقالت بصوت مرتجف
يمّه... اهدأ. لا توسّخ روحك بيهم.
لكنني لم أستطع.
سبعة عشر سنة أحمل الماء.
سبعة عشر سنة أنام على سرير حديد صغير.
سبعة عشر سنة أرى جدتي تحرق يديها بالزيت، بينما هذه المرأة تشتري كعبًا أحمر في هيوستن بشيكات تحمل اسمي.
اسمي.
علي.
الاسم الذي استطاعت أمي إلهام أن تهمسه قبل أن تغمض عينيها.
خرجت إلى الساحة.
أخرجت الهاتف القديم الذي اشترته لي جدتي في العيد من مدخراتها.
الهاتف الذي كانت شاشته مشقوقة من يوم وقعت وأنا أبيع الكليجة قرب السوق.
اتصلت بالمحامي الذي كانت أم خليل قد كتبت رقمه على ورقة صغيرة داخل الصندوق.
ردّ رجل بعد الرنة الثالثة
المحامي مازن العبيدي، تفضل.
قلت
أستاذ مازن، اسمي علي. أنا حفيد أم علي. أمي ماتت يوم ولادتي. عندي شهادة وفاة. وعندي رسالة. وعندي شهود.
ساد صمت على الطرف الآخر.
ثم سمعت نفسًا طويلًا.
قال
عمرك سبعة عشر سنة؟
قلت
نعم أستاذ.
قال
مستعد تقدم شكوى رسمية؟
التفتُّ نحو البيت.
رأيت جدتي واقفة
يداها مغطاتان بالطحين.
وقدمها ما زالت حمراء من الزيت الذي انسكب عليها في الصباح.
كانت تنظر إلي وكأنني الشمس.
قلت
نعم أستاذ. مستعد.
قال
تعال اليوم إلى مكتبي. شارع الرشيد، قرب المحكمة. جيب جدتك والأوراق كلها. ولا تخبر خالتك وين رايح. خليها تفكر إنها ربحت.
أنهيت المكالمة.
ودخلت.
كانت لورين لا تزال على الأرض.
لكنها بدأت ترتب شعرها.
وتجمع حقيبتها.
وتعيد إلى وجهها تلك النظرة التي تقول إنها تسيطر على كل شيء.
نظرة الناس الذين قضوا نصف عمرهم يكذبون حتى صدقوا أنفسهم.
قالت وهي تبتسم ابتسامة مائلة
علي، حبيبي، تعال نتفاهم مثل الكبار. أقدر أعطيك أشياء جدتك ما تقدر تعطيك إياها. جامعة. سيارة. غرفة خاصة بحمامها. فكر جيدًا قبل أن تبقى هنا تضيع عمرك بين الطحين والكليجة.
أنزلت جدتي رأسها.
وفي تلك اللحظة بالضبط، شعرت أن آخر ذرة احترام كانت داخلي لهذه المرأة سقطت على الأرض وتحولت إلى غبار.
اقتربت منها.
ببطء.
حتى وقفت أمامها.
ولأول مرة في حياتي تكلمت بصوت رجل، لا بصوت طفل
سيدتي... جدتي لم تضيع عمرها. جدتي صنعت حياة. الشيء الذي تسمينه ضياعًا هو أنظف شيء عرفته في حياتي. وللعلم، أنا لن أركب أي سيارة معكِ. لا اليوم. ولا غدًا. ولا أبدًا. هذا العصر سأذهب مع المحامي مازن لتقديم شكوى بتزوير هوية، واستغلال