😭 باع دمه ليربيني... وبعد 20 سنة قلت له: "لن أعطيك دينارًا واحدًا!"
المحتويات
بدأت أكسب المال وخجلت أن آخذه معي إلى مناسباتي لأن حذاءه كان قديمًا.
يا لخجلي.
كم يمكن للإنسان أن يكون فقيرًا من الداخل، حتى لو كان راتبه بالملايين.
قلت
يابه.
هذه المرة لم تكن عادة.
كانت حقيقة.
انهار أبو سيف.
احتضنني بقوة.
شممت رائحة قميصه القديم، العرق، الصابون الرخيص، ورائحة الشمس التي كانت تسكن ملابسه دائمًا. وفجأة عدت طفلًا في العاشرة، أبكي أمي، بينما هو يطبخ لي الرز والبيض ويتظاهر بأنه ليس ضائعًا مثلي.
قلت له
سامحني.
سألني
على شنو؟
قلت
لأنني تأخرت.
مسح على رأسي.
وصلت يا ولدي. أحيانًا الإنسان يتأخر حتى يصل إلى مكان كان ينتظره من زمان.
كانت مريم تبكي بصمت.
ثم ضربت كتفي بخفة وقالت
وإياك مرة ثانية تعمل تمثيلية على رجل مريض.
ضحك أبو سيف من بين دموعه.
زوجتك قوية.
قلت
أكثر من اللازم.
قال
زين. حتى أحد يرعاك لما تصير غبي.
في ذلك اليوم لم نرجع إلى شقتي الجميلة.
ذهبنا إلى ضفة دجلة.
قال أبو سيف إنه يريد أن يمشي قليلًا قبل أن يقبل فكرة المستشفى. كان يمشي ببطء، يده على ذراعي، واليد الأخرى تمسك قبعته القديمة. كان النهر ساكنًا، والهواء يحمل غبار بغداد وضجيجها، والناس حولنا يمضون في حياتهم كأن شيئًا لم يحدث.
مررنا قرب عائلات تجلس على الكورنيش، شباب يشربون الشاي، باعة متجولون، ورجال كبار يراقبون الماء بصمت.
توقف أبو
قال
يوم انقبلت بالجامعة، كنت أريد أجيبك هنا ونشرب شاي ونحتفل... بس يومها ما كان عندي كافي.
اختنق صوتي.
قلت
اليوم عندنا كافي.
دخلنا.
جلسنا قرب النافذة.
جاء الشاي في استكانات صغيرة، ومعه صحن كليجة. نظر أبو سيف إلى الاستكان وكأنه يرى رفاهية كبيرة.
قال
ما كان لازم تشتري لي بيت.
قلت
كان لازم.
لا.
يابه، أنت دفعت حياتي كلها من جسدك وتعبك. الآن جاء دورك تسكن في بيت لا يوجعك.
سكت قليلًا.
ثم سأل
وإذا مت بالعملية؟
شدت مريم على يدي.
أخذت نفسًا عميقًا وقلت
تموت وأنت تعرف أن ابنك قرأ الحقيقة أخيرًا.
ابتسم بحزن.
طلعت درامي.
قلت
منك.
قال
أني مو درامي. أني عراقي.
ضحكنا.
وكانت تلك الضحكة مثل ضمادة صغيرة فوق جرح كبير.
كانت العملية يوم الاثنين.
أصر أبو سيف أن يذهب بقميص مكوي وحذاء ملمع، كأنه ذاهب لمقابلة عمل. في المستشفى، اعتذر للممرضة لأنه نحيف، واعتذر للعامل لأنه تأخر في الصعود، واعتذر للطبيب لأنه تعبهم.
كنت أريد أن أصرخ في وجه العالم أن هذا الرجل لا يتعب أحدًا.
هذا الرجل حمل حياة كاملة على كتفيه.
قبل أن يدخل غرفة العمليات، أشار لي بيده.
اقتربت منه.
قال
إذا صار شي...
قلت بسرعة
ما راح يصير.
قال
خليني أحچي. إذا صار شي، لا تتكبر. الفلوس زينة للمستشفيات، لكنها قبيحة إذا خلتك تنظر باستعلاء إلى صاحب اليد
شعرت كأن كلماته أصابتني في قلبي.
قلت
أعرف.
قال
لا. أنت بدأت تتعلم فقط.
كان محقًا.
ثم قال
وشيء ثاني.
قلت
شنو؟
قال
لا تحچي أني بعت دمي بحزن. أني كنت أبيعه وأنا فرحان.
سألته بدهشة
فرحان؟
قال
لأن كل كيس دم كان قطعة مني تروح لمكان أنا ما وصلت له. لكتبك. لحذائك. للجامعة. وللمكتب الكبير اللي تشتغل بيه، واللي يمكن ما أعرف حتى أصف سيارتي قدامه.
انحنيت وقبلت جبينه.
قلت
راح آخذك له.
سأل
للموقف؟
قلت
لا. لمكتبي. أقدمك للناس.
عقد حاجبيه وقال
وماذا أقول لهم؟
قلت
الحقيقة. أنك كنت أول مستثمر في حياتي.
دخل غرفة العمليات وهو يضحك.
وبقيت أنا خارجها ست ساعات.
ست ساعات لم ينفعني فيها راتبي، ولا سيارتي، ولا ساعتي، ولا بطاقاتي البنكية. لم يكن هناك شيء ينفع سوى الانتظار. الدعاء وأنا لا أعرف كيف أدعو. المشي ذهابًا وإيابًا. شرب قهوة رديئة من جهاز المستشفى. والنظر إلى الباب كأن الإرادة وحدها تستطيع فتحه.
وعندما خرج الطبيب، كدت أسقط.
قال
العملية نجحت.
لم أبكِ بهدوء.
بكيت كطفل.
احتضنتني مريم.
وفكرت بأمي.
برسالتها.
وبكل ما كلفه الصمت.
استيقظ أبو سيف في اليوم التالي.
وأول جملة قالها كانت
دفعت أجرة الموقف؟ ترى هذول يسرقون أكثر من البنوك.
ضحكت مريم.
وأمسكت يده.
قلت
صباح الخير يابه.
أغمض عينيه.
ليس من الألم.
بل لأنه سمع تلك الكلمة
كانت فترة التعافي بطيئة.
كان عنيدًا كعادته، يريد أن ينهض قبل أوانه. كان يقول إن المريض يتعود على المرض إذا تركوه طويلًا في الفراش. كانت الممرضات يحببنه لأنه يضحكهن، لكنهن يوبخنه لأنه يحاول ترتيب غطاء السرير بنفسه.
وعندما خرج من المستشفى، لم آخذه إلى غرفته القديمة.
أخذته إلى البيت الجديد.
كان البيت مطليًا بلون أبيض بسيط، بباب أزرق، وحوش صغير وضعت فيه مريم كرسيين وطاولة. في المطبخ كان هناك شاي، وخبز حار، وكيس تمر أرسله أحد الجيران ترحيبًا.
وقف أبو سيف عند الباب.
لم يدخل.
سألته
شنو بيك؟
نظر إلى الجدران.
عمري كله ما مسكت مفتاح بيت مو إيجار.
أخرجت المفتاح.
وضعته في يده.
الآن صار عندك.
أغلق أصابعه عليه ببطء.
قال
مسجل باسمي، قلت؟
قلت
نعم.
سأل
ليش؟
قلت
لأنك طول عمرك وضعت اسمي قبل اسمك. جاء الوقت يصير العكس.
دخل.
لمس الطاولة.
والفرن.
وإطار النافذة.
كأنه يستأذن كل شيء قبل أن يصدقه.
في الغرفة الرئيسية رأى سريرًا جديدًا، وصورة لأمي، وصورة لنا نحن الاثنين يوم ذهبت إلى الجامعة. أنا أحمل حقيبة كبيرة، وهو يبتسم بفخر كأنه ملك الدنيا.
جلس على السرير.
قال
هنا عظامي تقدر ترتاح بدون ما تعتذر.
هذه الجملة كسرتني.
بعد أيام أخذته إلى مقر الشركة.
مررنا بين شوارع بغداد المزدحمة، أبنية عالية، مكاتب زجاجية، سيارات كثيرة،
قال
هنا تشتغل؟
قلت
نعم.
قال
يبين بارد.
قلت
هو بارد فعلًا.
قال
لازم يفتحون
متابعة القراءة