ابنتي تركتني في دار للمسنين… لكن حفيدتي عادت في يوم ميلادها وفتحت بابًا لم تكن أمي تتوقعه!
رجال الشرطة مرافقتهم، نظرت إليّ أخيرًا كابنة.
قالت
أمي لا تتركيهم يأخذونني.
شعرت أن قلبي انقسم في اتجاهين.
جزء مني أراد أن يركض نحوها، ويغطيها بعباءتي، ويقول لها إن كل شيء سيكون بخير.
والجزء الآخر تذكر ذلك اليوم الأول، أصابعها وهي توقع الأوراق دون أن تودعني، بينما كنت أحاول ألا أبكي أمام زهراء.
قلت لها
أنا لا آخذك إلى أي مكان يا ابنتي قراراتك هي التي وصلت إليكِ.
بكت بغضب.
كما يبكي من لم يعتد أن يكون ألمه خارج مركز الحكاية.
أمسكتني زهراء عندما رأيتها تخرج.
لم أفرح.
الأم لا تفرح بسقوط ابنتها، حتى لو كانت تلك الابنة قد دفعتها أولًا.
كل ما شعرت به كان تعبًا هائلًا، كأن السنة كلها جلست فجأة فوق كتفي.
وقّعت موظفة الرعاية الاجتماعية على خروجي المؤقت تحت رعاية زهراء، وطلبت فحصًا طبيًا مستقلًا لي.
أعطوني كيسًا فيه أشيائي القليلة.
بلوزتان.
مسبحة.
خفّان قديمان.
والتقويم الذي شطبت عليه ثلاثمئة وخمسة وستين يومًا.
ثم أعطوني رسائلي.
ضممتها إلى صدري كأنها أجزاء من روحي عادت متأخرة.
قبل أن أخرج، أمسكت أم سعدية يدي.
قالت
قلت لكِ إن الشباب لا يرجعون.
ثم ابتسمت وهي تبكي.
فرحت لأنني كنت غلطانة.
وعدتها أنني وزهراء سنعود لزيارتها، حتى لو نحمل لها خبزًا حارًا وأخبارًا حقيقية.
طلبت زهراء سيارة أجرة عبر الهاتف لأنها لم تكن تملك سيارة.
وعندما خرجنا، ضرب هواء الشارع وجهي، فشعرت أن
كانت بغداد كما هي.
صاخبة.
متعبة.
ومع ذلك حيّة.
صعدت إلى السيارة ببطء، وغطّت زهراء ساقي بسترتها.
سأل السائق
إلى أين؟
نظرت إليّ زهراء.
فقلت
إلى البيت.
ظننت أنني عندما أصل سأجد الغبار، وأثاثًا غريبًا، ونباتات ميتة.
لكنني وجدت شيئًا أسوأ، وشيئًا أجمل.
كان البيت مؤجرًا لعائلة لا تعرف شيئًا.
زوجان شابان وطفلان صغيران خافوا عندما رأوني أبكي أمام الباب.
تحدثت معهم زهراء باحترام.
شرحت لهم أننا لم نأتِ لنطردهم في تلك الليلة، وأعطتهم رقم المحامي حيدر.
أما أنا فبقيت واقفة عند الباب الحديدي، أنظر إلى الحوش من خلف القضبان.
كانت شجرة الياسمين ما زالت حية.
كبرت وتفرعت بلا ترتيب، كأنها انتظرتني دون أن تستأذن أحدًا.
لم نستطع أن ننام هناك.
في تلك الليلة ذهبنا إلى الغرفة الصغيرة التي كانت زهراء تستأجرها قرب عملها.
مكان ضيق، فيه فرشة على الأرض، وموقد كهربائي صغير، وشباك يطل على جدار قريب.
قالت بخجل
ليس كثيرًا يا جدتي.
جلست على الفرشة، ومددت يدي إلى وجهها كما فعلت يوم الدار.
قلت
هذا أجمل مكان في الدنيا لأن لا أحد سيخفيني هنا.
انهارت زهراء بالبكاء.
حكت لي أنها كانت تعمل في مقهى بعد الدوام، وتجمع كل إكرامية تحصل عليها.
حكت أنها بحثت عن استشارة قانونية مجانية، وقضت أشهرًا تجمع الأدلة.
قالت إن أمها كانت تفتش حقيبتها، وتمنعها من رؤيتي، وتهددها بأنها
ثم اعترفت
لذلك خرجت من البيت قبل أن أكمل الثامنة عشرة نمت أسبوعين عند صديقتي مريم، وبعدها استأجرت هذه الغرفة.
احتضنتها وأنا أشعر بذنب جديد.
بينما كنت أعد الأيام، كانت طفلتي تخوض حربًا وحدها.
قلت لها
لم يكن يجب أن تحملي كل هذا.
نظرت إليّ بعينيها المتورمتين.
قالت
أنتِ حملتِني عندما لم يرد أحد أن يحملني.
الأشهر التالية لم تكن سهلة.
كانت هناك مراجعات، وفحوصات، وأسئلة موجعة، وجيران يتكلمون وهم لا يعرفون الحقيقة كاملة.
حاولت ابنتي أن تقول إنني متأثرة بزهراء، وإنها هي التي تحركني.
لكن التسجيلات، والرسائل المخفية، والحسابات البنكية كانت تتكلم أوضح من دموعها.
استعدت معاشي، ووضعت قيودًا قانونية تمنع أي تصرف ببيتي من دون موافقتي.
العائلة التي كانت تستأجر البيت غادرت باتفاق محترم.
وفي أول يوم دخلت فيه بيتي من جديد، قبّلت جدار المطبخ.
ضحكت زهراء وهي تبكي.
وضحكت أنا أيضًا.
ليس لأن البيت بقي كما كان.
بل لأننا نحن لم نضِع إلى الأبد.
نظفنا الحوش.
صبغنا الغرفة.
واشترينا أصيصين جديدين بأول مبلغ عاد إليّ.
جاءت أم سعدية لتناول الغداء عندنا في أحد أيام الجمعة، أحضرها ابنها بعد أن عرف الحقيقة.
وضعت أحمر شفاه أحمر، وقالت إن التزين صار له معنى الآن.
أما الدار، فتم عزل المديرة، وفتح تحقيق مع الطبيب، وتلقت عائلات كثيرة مكالمات كان يجب ألا تنقطع يومًا.
أنا
هناك أشياء لا يعيدها أحد.
لم أستعد الأعياد التي قضيتها أنظر إلى الباب.
ولا الصباحات التي تظاهرت فيها بأنني لا أشعر بالجوع حتى لا يراني أحد أبكي.
ولم أستعد الابنة التي ظننت أنني ربّيتها.
طلبت ابنتي أن تراني مرة واحدة، من خلف طاولة باردة في مكان رسمي.
جاءت بلا مكياج.
بكبرياء متعب.
وبيدين لا تستقران.
قالت
أمي سامحيني.
نظرت إليها طويلًا.
بحثت عن طفلتي داخل تلك المرأة.
نعم، وجدتها.
بعيدة جدًا.
مجروحة.
وملتوية من كثرة ما حملت داخلها.
قلت لها
أسامحك حتى لا أموت وقلبي مرّ لكنك لن تعودي تقررين عني أبدًا.
بكت هذه المرة بلا صراخ.
ولم أمسح دموعها.
تعلمت أن هناك آلامًا لا يجب على الأم أن تزيلها عن ابنتها، حتى تفهمها أخيرًا.
كانت زهراء تنتظرني في الخارج ومعها كوبان من القهوة وقطعتا كعك.
سألتني
أنتِ بخير؟
أمسكت ذراعها.
قلت
أنا حية.
وكان ذلك صحيحًا.
لم أكن حية كما كنت من قبل.
لم أكن ساذجة.
ولم أكن كاملة.
لكنني كنت حية.
أحيانًا أستيقظ مفزوعة وأظن أنني ما زلت في ذلك السرير الغريب، وأن رائحة المعقم جاءت لتأخذني من جديد.
ثم أسمع زهراء في المطبخ، تتشاجر مع الغلاية، وتغني بصوت غير مضبوط كما كانت تفعل وهي صغيرة.
أنهض ببطء.
ألمس جدار بيتي.
وأتذكر أن الوعد أحيانًا يكون أقوى من الحكم.
ابنتي تركتني في دار للمسنين وهي تظن أن الخذلان باب مغلق.
لكن حفيدتي عادت يوم
يصل دائمًا مبكرًا، لكنه عندما يصل، يدخل راكضًا، يصرخ باسمك، ويعيد إليك الحياة.