مكالمة أخيرة من القبو كشفت سر عائلة ظنّ الجميع أن نفوذها انتهى

لمحة نيوز

ابتلعت ريقي بصعوبة.

ثم سألته السؤال الذي كان يحرقني من الداخل:

"أبي وأمي؟"

خفض جدي رأسه.

لثوانٍ، لم يستطع الرجل الذي كانت تخشاه مصارف ورجال سياسة وتجار كبار أن يتكلم.

ثم قال بصوت ثقيل:

"أبوك اكتشف أن قيس يستخدم عقود مجموعة الراوي لتبييض أموال وتحويلات غير قانونية. كان ينوي كشفه بعد عودته من السفر. الطائرة لم يكن يجب أن تقلع بتلك الحالة. قيس دفع لمن يعبث بتقرير الصيانة."

شعرت أن شيئًا داخلي انكسر للمرة الثانية.

سألته:

"وأخي أيضًا رحل بسبب ذلك؟"

أغمض جدي عينيه.

"نعم."

بكيت بصمت.

لم أبكِ لأن جسدي كان يؤلمني، بل لأنني عشت سنوات إلى جانب الرجل الذي دمّر عائلتي. أعددت له القهوة. احتفلت معه بأيام ميلاده. نمت في البيت نفسه معه. وقّعت أوراقًا كان يضعها أمامي. منحت ثقتي لرجل كان يحفر لي قبرًا وأنا لا أرى.

أمسك جدي يدي السليمة.

وقال:

"أمك لم تكن تكرهني في البداية. أقنعوها. قيس زرع أدلة مزيفة وجعلها تصدق أنني أنا من تسببت بانهيار المجموعة، وأنني كنت أريد أخذ كل شيء منكم. وعندما رحلت، كنتِ صغيرة جدًا... وكان هو قد اقترب منكِ بالفعل."

همست:

"استخدمني."

قال بحزن:

"نعم... لكنه لم يستطع أن يمحوكِ."

خلال الأسابيع التالية، أصبحت حياتي مجموعة من العمليات الطبية، والتحقيقات، والليالي الطويلة التي لا أستطيع النوم فيها. عالج الأطباء إصاباتي واحدة تلو الأخرى. تعلمت أن أمشي مرة أخرى مستندة إلى عصا. وتعلمت شيئًا أصعب من المشي بكثير: ألا أعتذر عن خوفي.

كان حسين يزورني كل يوم جمعة.

كان يحمل معه وردًا بسيطًا من السوق،

ويقول إن الورد الغالي لا يحمل رائحة حقيقية. عيّنه جدي مسؤولًا عن أمن العائلة، لكنه بالنسبة لي كان أكثر من ذلك بكثير.

كان الرجل الذي رفض تنفيذ أمر ظالم.

بعد شهر واحد، انفجرت فضيحة قيس الجبوري في كل العراق.

عرضت القنوات صور القصر في المنصور محاطًا بسيارات الأمن. وتحدثت الصحف عن شركات وهمية، وحسابات مجمدة، ورشاوى لمسؤولين، وتهديدات لشهود، وتلاعب قديم تم تقديمه للناس سنوات طويلة على أنه حادث مؤسف.

لكن الأسوأ لم يكن ذلك.

الأسوأ كان ما ظهر داخل الخزنة الخاصة بقيس.

كانت هناك تسجيلات.

مقاطع كاميرات.

مكالمات محفوظة.

عقود مزورة.

وملف كامل باسمي.

كان قيس يخطط منذ سنوات لإعلاني غير قادرة على إدارة أموري، حتى يضع يده قانونيًا على ما تبقى من إرثي. كانت سارة ستصبح زوجته الجديدة. أما أنا، فكان من المفترض أن أنتهي في مصحة خاصة، محاطة بالأدوية، معزولة عن الناس، ومصوّرة أمام الجميع على أنني امرأة فقدت عقلها.

تلك الليلة في القبو لم تكن لحظة غضب.

كانت نهاية خطة طويلة.

قيس لم يكن يريد أن يعلمني درسًا.

كان يريد أن يختفي صوتي إلى الأبد.

في أول جلسة بالمحكمة، دخل قيس مكبل اليدين، ببدلة مجعدة ونظرة غائرة. لم يعد يشبه رجل الأعمال القوي الذي كان يصافح أصحاب النفوذ في الولائم والاجتماعات الخاصة. بدا رجلًا صغيرًا، محاصرًا بكذباته، يائسًا من كل شيء.

وعندما رآني أدخل، وقف.

كنت أرتدي بدلة سوداء، وشعري مرفوع، وفي يدي عصا فضية. كل خطوة كانت تؤلمني، لكنني لم أخفض رأسي.

قال بدموع لم أصدق منها شيئًا:

"زهراء... أنا أخطأت، لكنني

أحببتك."

نظرت إليه بلا غضب.

الغضب لم يعد يفيدني.

قلت:

"قيس، أنت لا تعرف الحب. أنت تعرف الامتلاك فقط."

وضعت المحامية أوراق الطلاق أمامي.

وقّعت بيد ترتجف، ليس بسبب التردد، بل بسبب ما بقي في جسدي من أثر تلك الليلة.

ثم رفعت عيني نحوه.

وقلت:

"واسم عائلتي لم يكن يومًا ملكًا لك."

حاولت سارة أن تدلي باعترافات ضد قيس لتخفيف الحكم عنها، لكن الأدلة أغرقتها معه. ثبت أنها شاركت في الاحتيال، وساعدت في التلاعب بالكاميرات، وأنها ألقت بنفسها على الدرج في تلك الليلة لتصنع سببًا لمعاقبتي.

صدر الحكم على قيس بتهم ثقيلة، منها التسبب بأذى جسيم، والاشتراك في جرائم منظمة، وغسل أموال، والتورط في الملف الذي دمّر عائلتي. تم وضع شركاته تحت الرقابة، وتجميد حساباته، وملاحقة شركائه، أما أصدقاؤه الذين كانوا يملؤون مجالسه، فقد اختفوا فجأة.

لم يرغب أحد في الجلوس قربه بعدما فقد قوته.

بعد ستة أشهر، خرجت من مبنى المحكمة تحت شمس بغداد.

كان عبدالجبار ينتظرني في الخارج. وبجانبه حسين، ومحامون قدامى من عائلة الراوي، وموظفون كانوا قد أُجبروا يومًا على الصمت. وعندما اقتربت منهم، خفضوا رؤوسهم باحترام.

أخذت نفسًا عميقًا.

لأول مرة منذ سنوات، لم يكن الهواء بطعم الخوف.

سألني حسين:

"ماذا تريدين أن تفعلي الآن، ست زهراء الراوي؟"

نظرت إلى مبنى المحكمة، ثم إلى المدينة.

وقلت:

"أستعيد ما سُرق منا... وأستخدمه لإخراج نساء أخريات من بيوت لا يسمع أحد صوتهن فيها."

بعد عام واحد، لم يعد قصر المنصور رمزًا للرعب.

أمرت بهدم القبو.

لم يطأ أحد بعد ذلك أرضيته

الإسمنتية التي كدت أفقد حياتي فوقها.

وفي مكانه بنينا حديقة مفتوحة، مليئة بالورد والياسمين والنخيل الصغير ونوافير حجرية هادئة. وفي وسطها وُضعت لوحة بسيطة كتب عليها:

"لكل من ظن أن لا مخرج... هناك دائمًا باب."

في ذلك اليوم افتتحنا مؤسسة نور اليشم.

لم تكن مؤسسة للصور والاحتفالات والمظاهر. كانت مؤسسة حقيقية، فيها بيوت آمنة، ومحاميات، وطبيبات، وأخصائيات نفسيات، وخطوط طوارئ، ومراكز حماية في أكثر من محافظة عراقية. قدّم جدي ملايين الدنانير والدعم الكامل. أما أنا، فقد قدمت قصتي.

أمام مئات النساء، صعدت إلى المنصة من دون عصا.

رأيت أمهات يحملن أطفالًا صغارًا.

وشابات يخفين آثار الخوف خلف نظارات داكنة.

ونساء كبيرات في العمر عشن سنوات طويلة من الصمت.

كنّ ينظرن إليّ وكأنهن يحتجن أن يصدقن أن الحياة يمكن أن تنكسر ثم تنهض من جديد.

أمسكت الميكروفون.

وقلت:

"قبل عام واحد... كنت ممددة في قبو، مقتنعة أن قصتي ستنتهي هناك."

ساد الصمت في الحديقة.

أكملت:

"جعلوني أصدق أنني بلا عائلة، وبلا قوة، وبلا أحد يمكن أن يأتي من أجلي. لكن مكالمة واحدة، وتصرف شجاع واحد، وشخص واحد قرر ألا يطيع أمرًا ظالمًا... غيّر مصيري."

بحثت بعيني عن حسين بين الحضور.

كان واقفًا بعيدًا، يبتسم ودموعه تلمع في عينيه.

قلت:

"اليوم أريد أن أقول لكل امرأة هنا: لا يوجد بيت أغلى من حياتك. لا يوجد اسم عائلة، ولا زواج، ولا خوف، ولا كلام ناس، يستحق أن يسرق منك حقك في أن تعيشي حرة."

انفجر التصفيق كالمطر.

رفعت رأسي إلى سماء بغداد.

لسنوات كنت أعتقد أن الانتقام

الحقيقي هو أن أرى قيس محطمًا.

لكنني كنت مخطئة.

العدالة الحقيقية لم تكن سقوطه.

كانت أن أرى نفسي حية.

حرة.

واقفة.

ومحاطة بنساء أدركن، بعد سماع قصتي، أن قصصهن ما زالت قابلة للنجاة.

تم نسخ الرابط