مكالمة أخيرة من القبو كشفت سر عائلة ظنّ الجميع أن نفوذها انتهى

لمحة نيوز

اختلطت صرخات العاملين في المنزل بأصوات الطرقات الثقيلة والخطوات السريعة وأجهزة اللاسلكي التي كانت تصدر أصواتًا متقطعة في كل زاوية.

تراجعت سارة إلى الخلف وكأن القبو امتلأ بأشباح خرجت من الماضي.

همست وهي تنظر حولها بذعر:

"هذا لا يمكن أن يحدث..."

انفتح باب القبو بقوة.

دخل رجال أمن مسلحون، ومسعفون، وامرأتان من الشرطة المختصة. ركضت إحدى المسعفات نحوي بسرعة، وضعت قناع الأوكسجين على وجهي، وبدأت تنادي بأرقام وملاحظات لم أعد أفهم منها شيئًا.

"الضغط منخفض جدًا... الحالة حرجة... يجب نقلها فورًا."

حاولت سارة الصعود على السلم، لكن إحدى الشرطيات أمسكتها من ذراعها بقوة.

"سارة الكرخي، أنتِ موقوفة بتهمة التسبب بأذى جسيم والاشتراك في مخطط جنائي."

صرخت سارة وهي تحاول الإفلات:

"اتركيني! أنتم لا تعرفون من أنا!"

عندها جاء صوت عميق من عند مدخل القبو:

"أنا أعرف بالضبط من تكونين."

التفت الجميع.

رجل مسن بدأ ينزل الدرج ببطء، مستندًا إلى عصا خشبية داكنة. كان يرتدي بدلة سوداء وقميصًا أبيض، وشعره فضي بالكامل. لم يكن يسير بسرعة، لكن كل شخص في القبو أفسح له الطريق وكأن الداخل ليس رجلًا عاديًا، بل قاضٍ كبير أو قائد أو رجل اعتاد الناس أن يهابوا اسمه قبل أن يروا وجهه.

حاولت أن أركز في ملامحه بصعوبة.

الحاج عبدالجبار

الراوي.

جدي.

الرجل الذي منعتني أمي من البحث عنه طوال سنوات طويلة.

اقترب مني ببطء، ثم انحنى بجانبي دون أن يهتم بأن تتسخ بدلته بآثار ما حدث لي.

قال بصوت انكسر في آخره:

"بنيتي..."

ثم أمسك يدي برفق.

"سامحيني... وصلت متأخرًا."

حاولت أن أتكلم، لكن صوتي لم يخرج.

مسح على جبيني بحنان لم أتوقع أن أشعر به من رجل ظننته طوال حياتي حجرًا بعيدًا لا قلب له.

قال:

"أمك اعتقدت أنني تخليت عنكم... قيس هو من غذّى تلك الكذبة. قطع الرسائل، اشترى بعض الموظفين، أغلق الطرق بيني وبينكم، ومنع أي اتصال يصل إليكِ. حاولت الاقتراب منكِ لسنوات."

شعرت كأن الهواء يهرب من صدري.

قيس.

دائمًا قيس.

كل طريق مظلم في حياتي كان ينتهي عنده.

حاولت المسعفة أن تبعده قليلًا.

"سيدي، يجب أن ننقلها الآن."

هز عبدالجبار رأسه، لكنه لم يترك يدي.

وعندما رفعوني على النقالة، سمعت خطوات غاضبة في الأعلى.

ظهر قيس على الدرج الرئيسي، قميصه مفتوح من الأعلى، وجهه متعرق، وفي عينيه تلك النظرة المتكبرة التي كنت أظنها يومًا ثقة وقوة.

صرخ بصوت هزّ البيت:

"من سمح لكم بالدخول إلى بيتي؟ أنا قيس الجبوري!"

رفع عبدالجبار الراوي نظره إليه بهدوء.

وقال:

"أنا سمحت."

تجمد قيس في مكانه.

لم يكن ذلك خوفًا عاديًا.

كان رعبًا حقيقيًا.

ذلك النوع من الرعب

الذي يظهر على وجه شخص رأى عدوًا ظن أنه دُفن في الماضي ولن يعود أبدًا.

تمتم قيس بصوت متقطع:

"الحاج عبدالجبار... الأمر سوء فهم. زهراء مرت بحالة انهيار... وسارة فقط حاولت الدفاع عن نفسها."

ضرب عبدالجبار الأرض بعصاه.

"سوء فهم؟ وهل كان سوء فهم أيضًا أن تفرغ حسابات حفيدتي عبر شركات وهمية في أربيل والبصرة وخارج العراق؟"

شحُب وجه قيس.

تابع عبدالجبار بصوت أشد:

"أم كان سوء فهم أن يتم التلاعب بتقارير صيانة الطائرة التي فقدت فيها ابني وزوجته وحفيدي؟"

سقط الصمت على مدخل البيت كله.

فتحت عيني بصعوبة.

عائلتي لم ترحل بحادث عادي.

قال قيس، لكن صوته كان يرتجف رغم محاولته الثبات:

"أنت رجل كبير في السن... ولا تعرف ما تقول. لا تملك دليلًا."

جاء صوت من خلف رجال الأمن:

"بل يملك."

ظهر حسين بين رجلين من القوات الأمنية.

كان وجهه متعبًا، وملابسه ممزقة، وعليه آثار واضحة من محاولة منعه، لكنه بقي واقفًا.

وفي يده ذاكرة صغيرة.

قال بصوت متعب لكنه ثابت:

"الأستاذ قيس أرسل رجاله خلفي حتى يمنعوني من الوصول. حاولوا أخذ الحقيبة مني، لكنهم لم يجدوا هذا."

خطا قيس خطوة نحوه.

وقال بنبرة تهديد:

"أنت لا تعرف ماذا تفعل يا حسين."

رفع حسين رأسه.

"أعرف جيدًا. لسنوات كنت تأمرني أن أحذف اتصالات، وأنقل ظروفًا مغلقة، وأوصل مبالغ

نقدية، وأسكت على أمور لم أكن أفهمها في البداية. لكنني احتفظت بنسخ."

حاول قيس الاندفاع نحوه، لكن ثلاثة من رجال الأمن أمسكوه وأسقطوه على الأرض الرخامية.

بدأت سارة تصرخ بأن كل شيء كان من تدبير قيس.

وبدأ قيس يصرخ أن كل شيء كان بسبب سارة.

أما أنا، ومن فوق النقالة، فهمت أخيرًا أن الاثنين لم يحباني يومًا.

ولا حتى للحظة واحدة.

بينما كانوا يخرجونني باتجاه سيارة الإسعاف، رفع قيس وجهه عن الأرض ونادى بصوت مكسور حاول أن يجعله نادمًا:

"زهراء... أرجوكِ... أنا أحبك! نستطيع أن نصلح كل شيء!"

نظرت إليه للمرة الأخيرة.

خرج صوتي ضعيفًا، لكنه كان واضحًا:

"لا تنطق اسمي مرة أخرى."

أُغلقت أبواب سيارة الإسعاف.

وقبل أن يبتلعني الظلام، سمعت جدي يقول لأحد الضباط:

"افتحوا الخزنة الخاصة بقيس الجبوري... هناك ستجدون الحقيقة التي بقيت ناقصة."

ما وجدوه في الداخل كان كفيلًا بأن يغيّر كل شيء إلى الأبد.

استيقظت بعد ثلاثة أيام في مستشفى خاص ببغداد.

في البداية لم أعرف السقف الأبيض، ولا صوت الأجهزة الطبية، ولا رائحة المعقمات التي تملأ الغرفة. حاولت أن أتحرك، لكن الألم امتد في جسدي كله كأنه يذكرني بما حدث. كانت الضمادات تغطي أجزاء من جسدي، ويدي مثبتة بجبيرة، وعلى حاجبي غرز صغيرة، وأنابيب طبية موصولة بذراعي.

كان عبدالجبار

الراوي جالسًا قرب سريري.

لم يكن نائمًا.

كان يراقبني بصمت، كأنه يخاف أن يغمض عينيه فأختفي من جديد.

سألته بصوت بالكاد خرج:

"قيس؟"

أجاب فورًا:

"موقوف."

سألته:

"وسارة؟"

قال:

"أيضًا."

تم نسخ الرابط