انا الملك وهى جارية

لمحة نيوز

بنت عمك؟
لوحت بإيدي ببرود وقلت لها يا أمي ما تكبريش الموضوع، أنا بهزر معاهم وبعدين ندى بتفهم في الشياكة والأصول، إنما اللي عندي دي
قطعت كلامي بحدة وقالت جرى لك إيه يا ابن بطني؟ مراتبك غلبانة وبنت أصول، وشايلانا وشايلاك في عنيها وعمرها ما اشتكت ولا فتحت بوقها. كسر الخواطر ده ذنبه كبير عند ربنا، والراجل بجد هو اللي يكرم مراته قدام أهله، مش اللي يدوس عليها عشان يبان إنه مسيطر. روح يا ابني طيب خاطرها، ومتخليش الشيطان يعميك عن نعمة ربنا اللي في إيدك.
كلام أمي خلاني أبتسم ببرود، بس جوة نفسي كنت حاسس بانتصار أكبر؛ حتى أمي اللي هي أمي واقفت في صفها وشايفة إنها مكسورة، وده معناه إن خطتي ناجحة بالملي، وإن ناهد فعلاً بقت تصعب على الكافر
قمت من جنب أمي وأنا برمي الكلمة ورا ضهري ومستخف بكلامها، ودخلت المطبخ بحجة إني رايح أجيب مية، بس في الحقيقة كنت رايح أشوف أثر الكرباج اللي علم على قلبها.
لقيتها واقفة مدياني ضهرها، ساندة راسها على حيطة المطبخ، وجسمها كله بيترعش من كتمة العياط. أول ما حست بخطواتي، لفت بسرعة ومسحت عينيها بظهر إيدها وحاولت تداري وشها في ضل الثلاجة.
وقفت قدامها وساند إيد على الباب بمنتهى البرود، وبصيت لها من فوق لتحت وقلت بنبرة واطية بس حامية زي الموس
جرى إيه يا هانم؟ قمصتِ؟ مش عاجبك الكلام ولا إيه؟ أصلك لو فاكرة إن حركات الشحتفة وعياط المطبخ ده هيخلي أمي تصعب
عليا وتبوس راسك تبقى غلطانة.. أنا اللي أقوله في البيت ده يمشي، والي أمدحه يترفع، واللي أقلل منه يفضل طول عمره في الأرض.
بصت لي وعينيها حمرا دم، والدموع اللي محبوسة في رموشها نزلت غصب عنها، وقالت بصوت مخنوق ومكسور
أنا قصرت معاك في إيه يا سامح؟ طب لو مش عامل حساب ليا، مش عامل حساب لأهلك؟ بتهيني قدام بنت عمك وتخليها تتنطط عليا؟
قربت منها خطوة لحد ما نفسنا بقى في وش بعض، وضغطت على سناني وقلت لها
عشان تفهمي مقامك كويس، وعشان تفتكري دايماً إنك من غيري ولا حاجة.. ندى بنت عمي ست البنات، والشياكة والرقة اللي فيها أنتِ عمرك ما هتحصلي ربعها. لمي دمعتينك دول واغسلي وشك واطلعي شوفي الناس برة، مش عايز نكد، وإلا وقسماً بالله أسيبك هنا وأروح أوصل ندى بعربيتي وأنزلك قدام الكل.
الكلمة لجمتها تماماً. الخوف من الفضيحة الأكبر وسط العيلة خلاها تبلع ريقها المر، وهزت راسها من غير ما تنطق بحرف. لفت وشها للحنفية وبدأت تغسل وشها بمية ساقعة وهي بتبلع شهقاتها.
خرجت أنا الصالة وحطيت رجل على رجل، وأنا حاسس بقمة السيطرة.. ناهد بقت عجينة في إيدي، أصلّبها وقت ما أعوز، وأكسرها وقت ما أحب.
رجعنا البيت والهدوء كان مخيم على العربية طول الطريق. ناهد كانت باصة من شباك العربية، دموعها نشفت، بس عيونها لسة فيها انكسار بيحرق الأعصاب. أول ما دخلنا البيت، رميت مفاتيحي على التربيزة وقلت لها بنبرة ساخرة ادخلي
غيري هدومك دي، ريحة المطبخ لسه فيكي، شكلِك يقطع الخميرة.
دخلت الأوضة من غير ولا كلمة، زي المأمور، وأنا قعدت على الكنبة وطلعت تليفوني. من غير ما أهتم بوجودها اللي بقى باهت، اتصلت ب ندى.
سمعت صوتها بيضحك من أول رنة ألو.. يا سامح؟ لسه مروحين؟
عليت صوتي عمدًا عشان ناهد تسمع كل حرف، وبدأت أتكلم بدلع ومياعة يا نودا، البيت من غير ضحكتك بقى ضلمة. العزومة كانت وحشة جداً، لولا إنك كنتِ موجودة كانت تبقى يوم كئيب.
ندى ضحكت بدلع وقالت يا واد يا بكاش، ومراتك اللي كانت واقفة جنبك دي؟
رديت عليها وأنا بوزع نظراتي على ناهد اللي وقفت ورا باب الأوضة، جسمها بيتنفض من القهر مرات مين؟ دي؟ دي يا بنتي مجرد خدامة في البيت ده، بتسد خانة وبتشيل قرفنا، بس فينها وفين رقتك؟ دي لو لبست إيه، ما يجيش في ضفرك. كفاية إنها بتخاف مني زي العيال الصغيرة، مش زيك إنتِ يا ست البنات، إنتِ اللي تملي العين وتستاهلي الدلال.
ندى زادت في الضحك وقالت كلام يغذي غروري، وأنا كملت في الكلام السام اللي بيقطع في ناهد، وهي واقفة مسمّرة مكانها، عينيها مكسورة تماماً، ومبقاش عندها حتى طاقة ترد.. هي عارفة دلوقتي إنها بقت في نظري مجرد أداة، وإن قيمتها الحقيقية في الأرض، تحت رجلي ورجل اللي بختارهم عشان أغيظها بيهم.
اليوم ده كان مختلف عن كل يوم فات. العادة إنها بعد كل بهدلة، تدخل تنام من كتر التعب والقهر، لكن الليلة دي ناهد
مانمتش. فضلت صاحية طول الليل.
الساعة بقت تلاتة الصبح، وأنا نايم في سريري ماليش دعوة بحاجة، قمت أشرب، لقيت النور مطفي في الصالة، بس هي قاعدة في الضلمة على الكنبة. رجليها ملمومة عند صدرها، ومقرفصة زي اللي مستنية مصيبة، وعينيها مبرقة في الفراغ. الهدوء اللي كان طالع منها ليلتها كان مرعب، مش هدوء الخوف بتاع كل مرة، لأ.. ده كان هدوء غريب ومريب، كأن في فكرة تانية خالص بتدور في دماغها.
قربت منها وقلت بمنتهى البجاجة جرى إيه يا سنيورة؟ قعدة زي العفاريت في الضلمة ليه؟ خشّي اتخمدي وراكي تنضيف من النجمة.
ما ردتش، ولا حتى اتخضت من صوتي المفاجئ. يدوب لفت راسها براحة وبصت لي.. النور اللي جاي من الشارع كان ضارب في عينيها، وشفت لمعة غريبة مش مفهومة. ما عيطتش، ولا نزلت دمعة واحدة، كانت بتبص لي بنظرة طويلة، باردة، وخالية من أي مشاعر.. نظرة خلتني لأول مرة أحس بنغزة قلق صغيرة جوة قلبي، بس كابرت وولعت النور
وقلت لها أنا مابحبش الجنان ده، اتعدلي بدل ما أعدلك!
قامت براحة من غير ما تنطق بحرف، ودخلت المطبخ. فضلت واقف وراها بمراقبها، لقيتها بتعمل كوباية شاي بحركات بطيئة وموزونة بالمسطرة، إيديها ما كانتش بترتعش زي العادة. قعدت على طرابيزة المطبخ وفضلت صاحية لحد ما الفجر أذن والنور بدأ يشقشق.. والكسرة اللي في عينيها اتحولت لشيء غامض، كأنها بتعيد حسابات كل السنين اللي فاتت في ليلة واحدة، وبتخطط
لحاجة أنا لسه مش قاريها.

تم نسخ الرابط