وجدت شهادة وفاة والدي داخل حقيبة أخي... لكن التاريخ المشطوب كشف سرًا أخفته أمي لسنوات!

لمحة نيوز

أمك قالت لك إن أبوك توفى بشهر كانون الثاني... صح؟
هززت رأسي.
لم أستطع أن أقولها بصوتي.
أخذني الرجل إلى عيادة.
ليست مستشفى حكومية.
بل عيادة صغيرة في حي قديم من أحياء الزرقاء، كان يعرف الطبيب فيها.
دفع الحساب.
لم يكن معه الكثير.
رأيت يده ترتجف وهو يمد النقود للموظفة.
ضمّدوا ذراعي.
وخاطوا شفتي.
وأعطوني كوب شاي كان طعمه كأنه ورق كرتون مبلول.
لم أسأل شيئًا طوال ذلك اليوم.
وهو أيضًا لم يسألني.
تركَني أنام في غرفة كانت لزوجته.
زوجته توفيت قبل سنتين.
كان السرير رطب الرائحة، وفيه أثر خبز قديم وبيت بقي طويلًا بلا امرأة.
نمت ثماني عشرة ساعة كاملة.
في اليوم التالي، كنا نجلس على طاولة المطبخ.
أحضر لي القهوة.
لم أستطع حمل الفنجان بيدي اليسرى.
فقربه هو منّي.
سألته
لماذا قلت إن أبي توفى في تشرين الأول؟
لم يجب بالكلام.
وقف.
دخل إلى الغرفة.
ثم عاد بصندوق كرتون قديم.
وضعه على الطاولة.
ولم يفتحه.
قال
هذا كل ما قدرت ألحقه قبل ما أمك تحرق أغراض أبوك.
كان داخل الصندوق رسالة.
رسالة حقيقية.
وتاريخها كان في تشرين الأول.
بقيت أنظر إلى التاريخ.
أمي أقامت عزاء في كانون الثاني.


وأنا بكيت في ذلك العزاء.
وقبّلت درجًا خشبيًا في كانون الثاني.
كان أبي ميتًا منذ ثلاثة أشهر عندما قبّلت ذلك الدرج.
سألته بصوت مكسور
ماذا كان داخل الدرج؟
غطّى وجهه بكلتا يديه.
ثم قال
يا بنتي... لا تجبريني أجاوبك اليوم.
لم أضغط عليه.
كان في الصندوق أيضًا رسائل.
اثنتان وثلاثون رسالة.
مربوطة بشريط قديم.
دفعها نحوي بهدوء وقال
أبوك سلّمني إياهم قبل ما يرحل بشهر. كان يعرف أن نهايته قريبة. قال لي أعطِها إياهم يوم تسأل. ظلّوا ينتظروك ثماني سنوات.
في تلك الليلة قرأت إحدى عشرة رسالة.
ثم لم أعد أحتمل.
كانت أول رسالة تبدأ هكذا
يا صاحبي، لا أعرف إن كنت سأعيش حتى أراها تكمل الرابعة عشرة. إن لم أعش، قل لها إن آخر مرة حملتها فيها شعرت أنها أجمل حضنة في حياتي.
بكيت على سرير ليس سريري.
بذراع مكسورة.
وشفة مخيطة.
وأنا أقرأ لأب كان يكتب لي ثماني سنوات، دون أن يستطيع إرسال كلمة واحدة.
قرأت بقية الرسائل خلال ثلاثة أشهر.
واحدة كل يوم.
أحيانًا اثنتين.
وحين كان الألم أكبر من قدرتي، لا أقرأ شيئًا.
الشكوى لم تكن سريعة.
لم تكن كما يحدث في الأفلام.
ذهبت مع الرجل في الأسبوع التالي
إلى المدعي العام.
الموظفة التي استمعت إليّ عطست مرتين وأنا أحكي.
قالت لي إن عليّ إحضار أدلة أكثر.
أريتها شهادة الوفاة.
قالت إن الشهادة قد تكون مزورة.
أريتها الجبيرة على ذراعي.
قالت إنني ربما فعلت ذلك بنفسي.
ضرب الرجل الطاولة بيده وقال
عندك بنت يا آنسة؟
لم تجب.
لكنها اتصلت بنا في اليوم التالي.
قالت إنها تحدثت مع مسؤولها.
بدأت القضية تتحرك ببطء.
ببطء شديد.
تم استدعاء أبو خالد ثلاث مرات.
وفي كل مرة لم يحضر.
وتم استدعاء أمي.
هي حضرت.
جاءت بفستان جديد.
ومشطت شعرها بعناية.
قالت إنني مجنونة.
وإنني كنت متعلقة بذلك الرجل منذ سنوات.
وإنه كان يلاحقني ويتدخل في حياتنا منذ زمن.
قالت ذلك.
قالته بهدوء.
وأنا هززت رأسي فقط.
لم أبكِ هناك.
بكيت لاحقًا في سيارة الرجل.
كان يقود بصمت.
وبعد فترة قال
يا بنتي... إذا بدك نوقف القضية، بنوقفها هون.
قلت
لا.
قال
الموضوع ممكن يأخذ سنين.
قلت
وأنا صار لي سنين أنتظر.
استغرق الأمر أحد عشر شهرًا.
وخلال تلك الأشهر حدثت أشياء كثيرة.
أمي أرسلت لي رسالة.
قالت إنها تشتاق لي.
وإنها هي الضحية.
وإن أبو خالد خدعها هي أيضًا.
وإنني ناكرة للجميل.

وإن أبي لم يحبني كما أحبها.
كتبت ذلك.
كتبت ذلك كأنها تصدقه.
كأنها تريدني أن أصدقه.
أما يزن...
فكان أجبنهم جميعًا.
عندما شعر أن الأمور أصبحت جدية، ذهب ليشهد ضد أبو خالد.
قال إنه لا يعرف شيئًا.
وإنه كان ضحية.
وإن أباه كان يجبره على إهانتي.
في يوم شهادته داخل المحكمة، لم ينظر إليّ حتى.
أما أنا فنظرت إليه.
رأيته واقفًا هناك.
وقد أحضر لي شيئًا واحدًا فقط.
لم يحمل اعتذارًا.
ولم يحمل تفسيرًا.
ولم يحمل الشجاعة الكافية لينظر في عيني.
لكنه أحضر صورة.
صورة لأبي معي قبل سنوات.
كنت صغيرة فيها.
أقف بجانبه وأضحك دون أن أعرف شيئًا عن العالم.
ودون أن أعرف أن تلك الضحكة نفسها ستصبح لاحقًا شيئًا أبحث عنه بين الرماد.
كانت الصورة مخبأة خلف الثلاجة.
في زاوية لا يصل إليها أحد.
الصورة الوحيدة لأبي التي لم تعثر عليها أمي لتحرقها.
الصورة الوحيدة التي نجت.
نجت من النار.
ونجت من الكذب.
ونجت من السنوات التي حاول فيها الجميع إقناعي أن أبي لم يكن كما أتذكره.
في ذلك اليوم أخذتها بيدي.
وبقيت أحدق فيها طويلًا.
طويلًا جدًا.
حتى إنني حفظت كل تفصيل فيها.
التجاعيد الخفيفة حول عينيه.
طريقة
وقوفي بجانبه.
يداه اللتان كانتا تحيطان بكتفي.
والابتسامة التي لم أرها منذ سنوات.
تلك الصورة معلقة الآن في غرفة الجلوس عندي.
في شقتي الصغيرة.
في حي
تم نسخ الرابط