كل ما كان خالي يجي يذاكر مع ابني كانت تظهر فقاعات صفراء مرعبة في يده... وما كشفته الكاميرا صدمنا جميعًا!
هذا الرجل يمارس النصب والدجل ويعرّض أولادًا صغارًا للخطر بمواد مؤذية.
تحرك رجال الأمن بسرعة، ووضعوا خطة ذكية.
طلبوا من سليم ويزن أن يتصلا بالشيخ النصاب ويقولا له إنهما جهزا مبلغًا جديدًا ويريدان جرعة أخرى.
وبالفعل، تم تحديد الموعد.
ذهبنا مع القوة الأمنية بسرية، وبمجرد أن فتح الشيخ النصاب الباب، واستلم المال، وأخرج علبة جديدة من علب الدجل، دخل رجال الأمن وأمسكوا به متلبسًا.
فتشوا المكان، فوجدوا عنده كميات من المواد نفسها، وأوراقًا غريبة، وأشياء يستخدمها لإقناع الناس بأنه يعالجهم.
تم القبض عليه وسط صراخه وتوسلاته.
وفي اليوم نفسه، وصلت تفاصيل ما حدث إلى إدارة النادي ومديرية الشباب بعد أن تم توثيق الشكوى بشكل رسمي.
تم استدعاء آدم وولي أمره للتحقيق، كما جرى الاستماع إلى إفادات عدد من اللاعبين والمدربين الذين أكد بعضهم أنهم سمعوا تهديداته السابقة أو لاحظوا محاولاته المستمرة للتأثير على اللاعبين المنافسين نفسيًا.
ومع تقدم التحقيق، بدأت الصورة تتضح أكثر فأكثر.
لم يكن الأمر مجرد مزحة ثقيلة أو تصرف مراهق عابر كما حاول البعض تصويره في البداية.
بل كان سلوكًا متعمدًا هدفه بث الخوف في نفوس اللاعبين
وبعد مراجعة جميع التفاصيل، أصدرت الإدارة قرارها النهائي.
تم شطب آدم من الفريق.
كما حُرم من المشاركة في الأنشطة الرياضية الرسمية لفترة طويلة، مع إلزامه بالخضوع لبرنامج تأهيلي وتوعوي قبل السماح له بالعودة إلى أي نشاط رياضي مستقبلاً.
أما الشيخ النصاب، فقد استمرت التحقيقات معه.
وكشفت الأجهزة المختصة لاحقًا أن هناك عشرات الشكاوى السابقة ضده من عائلات تعرضت لعمليات احتيال مشابهة.
بعض الضحايا كانوا أشخاصًا بسطاء دفعوا مبالغ كبيرة من المال بسبب الخوف على أبنائهم أو بسبب تصديقهم للخرافات والأوهام.
وحين سمعت تلك الأخبار، شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
ليس بسبب ما فعله ذلك الرجل فقط...
بل لأنني أدركت كم كنا قريبين من الوقوع ضحية له لفترة أطول.
كم من الممكن أن تستمر معاناة سليم لو لم أقرر في تلك الليلة أن أكتشف الحقيقة بنفسي.
وكم من الممكن أن يكبر الخوف داخل قلبه حتى يدمر مستقبله كله.
عدنا إلى البيت متأخرين تلك الليلة.
كان التعب ظاهرًا على وجوه الجميع.
لكن رغم ذلك، كانت هناك راحة عميقة تملأ المكان.
راحة تشبه شعور الإنسان عندما ينجو من خطر
جلست في غرفة الجلوس أتأمل سليم ويزن وهما يتحدثان بهدوء لأول مرة منذ أسابيع.
لم أعد أرى الخوف في عيونهما.
ولم أعد أرى ذلك التوتر الذي كان يرافق كل كلمة وكل حركة.
بدت ملامحهما أخف.
وكأن حملًا ثقيلًا أُزيل عن كتفيهما أخيرًا.
بعد قليل، أحضرت لهما العشاء.
وجلسنا جميعًا حول الطاولة.
ولأول مرة منذ فترة طويلة، عاد الضحك إلى البيت.
كان يزن يروي بعض المواقف المضحكة التي حدثت لهما أثناء التدريبات.
أما سليم فكان يضحك من قلبه وكأن شيئًا لم يكن.
في تلك اللحظة فقط شعرت أن ابني عاد إليّ من جديد.
عاد ذلك الشاب الهادئ الطموح الذي أعرفه.
ذلك الشاب الذي كان يحلم منذ سنوات بارتداء قميص منتخب المحافظة وتحقيق إنجاز يفتخر به.
وبينما كنا نجلس معًا، نظر سليم إلى يده.
كانت طبيعية تمامًا.
لا فقاعات.
لا آثار غريبة.
لا شيء يثير الخوف.
رفع رأسه ونظر إليّ وقال بصوت هادئ
بتعرفي يا أمي... أنا كنت مقتنع فعلًا إني مريض أو معموللي إشي.
اقتربت منه وربتّ على كتفه.
وقلت
الخوف يا ابني أحيانًا بيكون أخطر من المرض نفسه.
هز رأسه بتأثر وقال
لو إني حكيتلك من أول يوم كان وفرنا على حالنا كل هالقصة.
ابتسم يزن وقال
وأنا كمان غلطت. كان لازم أحكي لأهلي بدل ما أصدق أي شخص يخوفني.
نظرت إليهما وقلت
الغلط مش إن الإنسان يخاف... الغلط إنه يواجه خوفه لوحده ويسكت.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم ابتسم الاثنان.
وفي تلك اللحظة شعرت أن الدرس الحقيقي لم يكن القبض على النصاب.
ولم يكن معاقبة آدم.
بل كان تعلمهما أن الثقة بالعائلة أهم من أي كلام يسمعانه من الغرباء.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظ سليم مبكرًا على غير عادته.
ارتدى ملابس التدريب.
وحمل حقيبته الرياضية.
وكان الحماس واضحًا في عينيه.
وقبل أن يخرج من المنزل، وقفت أمامه وقلت مبتسمة
جاهز للمباراة الأسبوع الجاي يا بطل؟
ابتسم ابتسامة واسعة.
ثم اقترب وقبّل يدي وقال
جاهز يا أمي... ورح أفوز عشانك وعشان يزن.
ثم أضاف وهو ينظر إليّ بثقة
ومن اليوم... ما في أسرار بيننا أبدًا.
راقبته وهو يغادر المنزل.
وشعرت بفخر كبير لا أستطيع وصفه.
فربما لم أفز ببطولة.
ولم أسجل هدفًا.
لكنني ربحت شيئًا أهم بكثير.
ربحت ثقة ابني.
وحافظت عليه قبل أن يضيع خلف الخوف والوهم.
وحين أغلقت الباب خلفه، رفعت يدي إلى السماء وشكرت الله على نعمته.
فبعض النهايات السعيدة لا تأتي لأن الحياة سهلة.
بل لأنها تأتي بعد أن نتمسك بالحقيقة، مهما كان الخوف كبيرًا.
تمت بحمد الله.