بعد 20 سنة من خدمة حماها مجانًا.. فتح المحامي الوصية فانقلبت العائلة على بعضها!

لمحة نيوز

لم يكن ذلك تأثرًا.
بل كان ذهولًا حقيقيًا.
ذلك النوع من الذهول الذي يغيّر ملامح الرجال الجادين لثانية واحدة، حتى لو قضوا أعمارهم يقرأون قضايا عائلية ووصايا ثقيلة ونزاعات ميراث لا تنتهي.
كانت أخوات زوجي واقفات.
وكان أبو أحمد يتنفس من فمه.
أما أنا...
فكنت لا أزال واقفة وقطعة القماش المبللة بين يدي، أشعر أنني لو تركتها لسقطت معها على الأرض.
عاد المحامي ينظر إلى الورقة.
تنحنح قليلًا.
ثم قال
يجب أن أوضح الأمر. الوصية الأساسية لا تقتصر على مبلغ مالي أو كلمة شكر. السيدة أم أحمد العزاوي مذكورة هنا بصفتها الوريثة الرئيسية في الأموال والممتلكات التي يحق للمرحوم التصرف بها، وهي كذلك المكلّفة بتنفيذ الوصية ومتابعة شؤون التركة.
تحولت الصالة كلها إلى حجر.
أقسم أنني شعرت حتى ساعة الحائط توقفت عن إصدار صوتها.
كانت شقيقة زوجي الكبرى أول من انفجر.
ماذا؟ هذا مستحيل!
أما الأخرى ففتحت فمها كأنها ستسقط فعلًا هذه المرة، لكن لم يعد أحد يلتفت إليها إن وقعت أو بقيت واقفة.
نهض أبو أحمد بسرعة حتى أسقط الكرسي خلفه.
ماذا تقول؟ أبي لم يكن يطيقها. كان دائمًا ينتقدها. كيف يضعها هي؟
رفع المحامي يده ببرود تام.
أنا لا أفسر يا أستاذ. أنا أقرأ ما هو مكتوب.
بقيت جامدة في مكاني.
وريثة رئيسية.
ومنفذة للوصية.
كانت الكلمات تدخل إلى داخلي

كالماء البارد.
ليس طمعًا.
بل لأنني طوال عشرين سنة لم أرد من ذلك الرجل شيئًا سوى أن يترك لي شيئًا من الهدوء.
لا مال.
ولا أرض.
ولا بركة.
فقط صمت.
لكن المحامي لم يكن قد انتهى.
فتح الورقة مرة أخرى وقرأ
أشهد أن الشخص الوحيد الذي تحملني، وأطعمني، وجعلني أغادر هذه الدنيا بكرامة طوال عشرين عامًا، كانت زوجة ابني أم أحمد. بناتي كنّ يأتين للزيارة. وابني كان يطيعني من بعيد. لكنها وحدها بقيت. والبقاء حين لا يراك أحد، أثمن من الدم حين لا يأتي إلا ليحسب ماذا سيأخذ.
وضعت شقيقة زوجي الصغرى يدها على صدرها.
أبونا كان فاقد عقله.
واصل المحامي القراءة دون أن يتأثر
أما بناتي، فقد أخذْن ما يكفي في حياتي مالًا، ومساعدة، وأثاثًا، ومواقف، ومرات كثيرة استخدمن فيها اسمي حتى تفتح لهن الأبواب. وأما ابني أبو أحمد، فأترك له ساعتي القديمة ومصحفي، لعلّه يتعلم أن الرعاية ليست أن تأمر غيرك بها.
رجع أبو أحمد خطوة إلى الخلف، كأن أحدهم سكب عليه دلو ماء بارد.
نظرت إلى زوجي.
ليس إلى الابن المكسور.
بل إلى الرجل الذي ربطني عشرين سنة بجملة
وأنتِ زوجتي.
في كل مرة كنت أشعر أنني أنطفئ.
كان وجهه شاحبًا.
غاضبًا.
لا حزينًا.
غاضبًا.
كأن أباه، حتى بعد موته، أهانه لأنه لم يترك له المكافأة التي ظن أنه يستحقها لمجرد أنه ابنه.
قال بصوت متقطع
هذا الكلام
غير صحيح. أبي في آخر سنواته لم يكن بكامل وعيه. لا يعرف ماذا يوقّع.
فتح المحامي الملف مرة أخرى.
الوصية كُتبت قبل أربع سنوات، وكان المرحوم بكامل أهليته، وبحضور شاهدين، ومع تقرير طبي يثبت سلامة إدراكه وقتها. كما أنه أكدها مرة ثانية قبل أحد عشر شهرًا بإضافة رسمية.
إضافة رسمية.
أخوات زوجي لم يفهمن الكلمة جيدًا، لكنها بدت قانونية بما يكفي لتخيفهن.
نظرت إليّ الكبرى كأنها ترى امرأة أخرى.
أنتِ كنتِ تعرفين؟
هززت رأسي.
وكانت الحقيقة أنني لم أكن أعرف شيئًا.
ولا إشارة.
ولا تلميحًا.
ذلك الرجل كان يعيب قهوتي، وينتقد الملح، ويهين طريقة ترتيبي لغطائه، ويقول لسنوات إن ابنه كان يستحق زوجة أفضل مني.
لو أنه فكّر يومًا أن يترك لي شيئًا، فلم يمنحني حتى متعة أن أشك في ذلك.
واصل المحامي القراءة.
وهنا جاءت الضربة الحقيقية.
ليست لهم.
بل لي أنا.
كما أوصي بنقل ملكية البيت الواقع في الكرادة ببغداد، والمسجل بالرقم...
ثم أكمل سلسلة طويلة من الأرقام والتفاصيل التي لم أعد أسمعها كاملة، لأن قلبي كان يضرب بقوة.
الكرادة.
البيت الذي لم يكن أحد يتوقع وجوده.
الذي لم نكن نعرف عنه شيئًا أصلًا.
تبادلت أخوات زوجي النظرات.
وكذلك أبو أحمد.
كان واضحًا أن لا أحد منهم يعرف.
وأنا أقلهم معرفة.
ثم قرأ المحامي عن حسابين مصرفيين.
لم تكن أرقامًا خيالية،
لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتغيير نبرة عائلة كاملة.
مال قال المحامي إنه مخصص لتغطية شؤون التركة، وأي مصاريف عالقة، وما تراه منفذة الوصية مناسبًا حسب إرادة المرحوم الأخيرة.
ضحكت شقيقة زوجي الصغرى ضحكة عصبية.
لا، لا، لا. هذا الكلام لا يمكن. أكيد أحد لعب بعقله. أكيد هذه المرأة ملأت رأسه بالكلام.
كلمة هذه المرأة خرجت منها بسُمّ عائلي مألوف، جعلني أرفع عينيّ أخيرًا.
قلت بهدوء
لو كنت ملأت رأسه بالكلام، لكنت أقنعته أولًا أن يستحم وحده.
التفتت الصالة كلها نحوي.
كانت جملة صغيرة.
لكنها خرجت مني بعشرين سنة من التعب.
ولأول مرة منذ زمن طويل، لم أرَ على وجوه أخوات زوجي تلك النظرة المتعالية المريحة لمن يأتين معطرات فقط لإعطاء النصائح.
رأيت شيئًا آخر.
الخوف.
لأنهن كن يفكرن في الحسابات والبيوت والأوراق.
أما أنا، فكنت أفهم شيئًا أعمق.
الرجل لم يكافئني لأنه أحبني.
بل دفع لي.
بطريقته القاسية، المتأخرة، الجافة...
لكنه كان يدفع ثمن ما أخذه من عمري.
أغلق المحامي الملف لحظة ونظر إلى أبو أحمد.
هناك أيضًا رسالة مكتوبة بخط يد المرحوم. يجب أن تُقرأ فقط إذا كانت السيدة أم أحمد موجودة، وهذا الشرط تحقق الآن. هل أبدأ؟
لم يقل أحد لا.
لم يستطع أحد.
هززت رأسي لأنني لم أعد أثق بصوتي.
فتح المحامي الرسالة.
وكان خط الحاج جاسم قاسيًا
حتى على الورق.
قرأ
أم أحمد...
إذا كانت هذه الورقة تُقرأ الآن، فهذا يعني أنني مت، وأن البيت أخيرًا ستخف
تم نسخ الرابط