أخي كان يسحب راتب والدي المصاب بالخرف كل شهر... لكن ما حدث داخل المصرف قلب كل شيء رأسًا على عقب!
لكنه جلس.
ثم تحدث أبي مرة أخرى، بصوت خافت جدًا
حيدر لا يصرخ. حيدر كان طيبًا.
أغلق حيدر عينيه.
لأول مرة انكسر شيء في وجهه.
لم أعرف إن كان ذنبًا أم غضبًا.
ولم يعد يهمني.
خرجنا من المصرف بعد قرابة ساعة. في الخارج، بقيت المدينة كما هي بائع الشاي ينادي قرب الرصيف، السيارات تطلق أبواقها، رجل يبيع الخبز على عربة صغيرة، وصفارة بعيدة تختلط بضجيج الشارع.
لا شيء يتوقف في بغداد، حتى عندما تنكسر عائلة كاملة.
وصلت أمينة بسيارة أجرة بعدما اتصلت بها بصوت مرتجف. كانت تحمل كيسًا فيه سترة إضافية لأبي، وقنينة ماء دافئ.
حاج جاسم، جبت لك شاي خفيف.
ابتسم أبي كطفل.
ومعه كعك؟
نظرت إليّ أمينة.
لم أستطع منع دموعي.
ذهبنا مباشرة إلى المركز المختص.
لا إلى البيت.
ولا للراحة.
ولا لتمثيل أن إيقاف سحبة واحدة يكفي لإصلاح سنوات من الاستغلال.
في الطريق، كان أبي ينظر من النافذة. وحين مررنا قرب سكة قديمة، ظل يحدق فيها طويلًا.
هنا كان الصوت جميلًا.
قال.
تتذكر؟
أتذكر الصوت.
أجاب.
أما الباقي فيذهب مني.
رافقتني تلك الجملة طوال اليوم.
في المركز، استقبلتنا موظفة اجتماعية بعينين متعبتين، لكن بصوت صبور. راجعت كشوفات الحساب. نظرت إلى التقرير الطبي. واستمعت إلى حكايتي كاملة.
وعندما أخبرتها عن الساعة، ضغطت بالقلم أكثر على الورقة.
هذا ليس مجرد خلاف بين أخ وأخته.
قالت لي.
هذا استغلال مالي لشخص كبير وضعيف وغير قادر على حماية نفسه.
وصل حيدر لاحقًا برفقة الشرطة.
لم يأتِ متعطرًا كأنه رجل مهم.
كان شعره مبعثرًا، ووجهه متعبًا، ونظرته تشبه نظرة شخص بدأ يفهم أن الحياة الحقيقية لا تُحل بالكلام.
سعاد.
ناداني من الممر.
لم أجب.
سعاد، أرجوكِ. لا تدخلي الموضوع في المحاكم. عليّ ديون.
توقفت.
كانت أمينة تدفع كرسي أبي نحو غرفة جانبية. وكان هو يشرب الشاي وكأنه بعيد عن كل شيء.
اقتربت من حيدر بما يكفي ليسمعني، من دون أن يستطيع لمسي.
أعد الساعة.
لا أعرف إن كانت ما زالت هناك.
أعد الساعة.
أستطيع أن أجمع المال.
أنا لا أطلب مالًا.
نظر إليّ كأنه لا يفهم.
لأن حيدر كان يظن دائمًا أن كل شيء له ثمن.
حتى السماح.
قلت له
تلك الساعة هي آخر شيء يتذكر به أبي نفسه. إذا بقي في داخلك شيء نظيف، أعدها.
خفض نظره.
أعطوني ثلاثة أيام للدفع.
بقي لديك أقل من ذلك.
سُجلت الشكوى في تلك الليلة.
شرحوا لي أن هناك استدعاءات، وتحقيقات، وجلسات، وأوراقًا أخرى. لم أعد أخاف الأوراق. فقدت رهبتها بعد أن رأيت كيف استطاعت ورقة واحدة أن توقف يدًا ظالمة.
عندما عدنا أخيرًا إلى البيت، كان مخبز الزاوية ما زال مفتوحًا. اشتريت صمونًا ساخنًا وكعكًا، رغم أنني لم أكن أملك شهية ولا قوة.
نام أبي في الكرسي قبل أن نصل إلى الباب.
ساعدتني أمينة في إدخاله إلى غرفته.
خلعنا حذاءه.
غسلنا يديه.
ألبسناه ملابس النوم الزرقاء.
وعلى الطاولة الصغيرة وضعت قطراته، وكوب الماء، والصورة التي كان يحمل فيها أحفاده على كتفيه.
قبل أن أطفئ النور، فتح عينيه.
حيدر رجع من المدرسة؟
ابتلعت ريقي.
ليس بعد يا أبي.
قولي له لا يمشي قرب السكة. خطرة.
جلست بجانبه.
أمسكت يده.
نعم يا أبي. سأقول له.
لم أنم.
في الثالثة فجرًا، بينما كان الخبازون في المخبز يعجنون الصمون والكعك، كنت جالسة في المطبخ أمام قهوة باردة، أحدق في كيس الوثائق كأنه كائن حي.
سألت نفسي متى تنكسر العائلة؟
ليس عندما يسرق أحد.
وليس عندما يصرخ أحد.
تنكسر قبل ذلك.
في كل مرة تطلب فيها الابنة المساعدة فيقول الأخ لاحقًا.
في كل وجبة ينقص فيها المال ويزيد فيها الكبرياء.
في كل ليلة يرتجف فيها الأب من البرد بينما يشتري الابن ساعة جديدة.
في السابعة صباحًا، طرق أحدهم الباب.
لم تكن طرقة قوية.
كانت طرقة خجولة.
فتحت والجنزير
كان حيدر واقفًا هناك.
بلا نظارة.
بلا عطر.
بلا وجه الرجل الذي يملك الدنيا.
وفي يده كيس بلاستيكي صغير.
أعدتها.
قال.
لم أفتح الباب فورًا.
كيف؟
بعت الهاتف.
كدت أضحك مرة أخرى.
لكنني لم أستطع.
فككت الجنزير.
دخل حيدر خطوتين فقط.
ووضع الكيس على الطاولة، كما يضع الإنسان شيئًا يريد به التكفير عما فعل.
داخل الكيس كانت الساعة.
كان المعدن مخدوشًا، لكنها كاملة.
وعلى ظهرها ما زال الاسم محفورًا
إلى جاسم عبد الله... تقديرًا لثلاثين عامًا من الخدمة.
غامت عيناي.
قلت له
هذا لا يغيّر شيئًا.
أعرف.
الشكوى مستمرة.
أعرف.
لن تلمس حسابه مرة أخرى.
أعرف يا سعاد.
نظرت إليه جيدًا.
بدا أكبر من ليلة أمس.
إذن لماذا جئت؟
تنفس حيدر بعمق.
ومن غرفة أبي جاءت سحبة سعال خفيفة.
التفت حيدر نحو الغرفة، وامتلأت عيناه بالدموع.
لأنه عندما سمعته يقول إنني كنت طيبًا... تذكرت أنني فعلًا كنت كذلك يومًا ما.
لم أرد.
ليس لأنني لا أريد.
بل لأنني لم أعرف ماذا أفعل بهذه الجملة.
استيقظ أبي بعد نصف ساعة.
أجلسته على الطاولة مع شاي دافئ وقطعة كعك صغيرة. بقي حيدر واقفًا قرب الباب، مثل ضيف غريب في طفولته.
وضعت الساعة أمام أبي.
في البداية لم يتفاعل.
ثم لمس الغطاء بإصبعه.
فتحه.
ملأ صوت الدقات المطبخ.
صوت صغير.
عنيد.
يشبه المعجزة.
ابتسم أبي.
لم تكن ابتسامة ضائعة.
ولا مرتبكة.
ابتسم كما كان قديمًا.
هذه أعطوني إياها لأني لم أتغيب.
قال.
حتى يوم وُلد حيدر لم أتغيب. تأخرت على المستشفى، لكنني وصلت ومعي ورد.
غطى حيدر فمه بيده.
التفتُّ نحو النافذة كي لا أراه يبكي.
قال أبي
حيدر.
اقترب أخي ببطء.
أنا هنا يا حاج.
وضع أبي الساعة في كفه.
لثانية ظننت أنه سيهديها له مرة أخرى، وشعرت بالخوف.
لكن أبي أغلق أصابع حيدر فوق الساعة وقال
احفظها في مكان لا تضيع فيه.
سقط حيدر على
لم يسقط كما
في المسلسلات.
سقط بشكل ثقيل، مرتبك، مهزوم.
سامحني يا أبي.
مسح أبي على شعره.
لا تمشِ قرب السكة.
كررها فقط.
كان هذا كل شيء.
لم يكن هناك عناق كامل.
ولا موسيقى.
ولا معجزة تشفي الخرف.
ولا حكم يعيد الأشهر التي ضاعت.
الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.
بعد أيام، وقّع حيدر تعهدًا بإعادة المال، وتقديم إيصالات، والابتعاد تمامًا عن حساب أبي. واستمرت الإجراءات، لأن سماح أب مريض لا يمحو الاستغلال. كما وافق على حضور كل المراجعات، وأنا طلبت إجراءات تمنعه من أخذ أبي من البيت من دون علمي.
بعض الأقارب قالوا إنني قاسية.
وقالت إحدى عماتي إن الدم لا يصبح ماء.
أجبتها أن الدم أيضًا يحتاج من يعتني به، يطعمه، يغسله، ويدافع عنه عندما لا يستطيع الكلام عن نفسه.
منذ ذلك اليوم، لم تعد أيام الراتب تفوح منها رائحة الخوف.
صارت تفوح برائحة الخبز الطازج، ودهان الكافور، وشاي الصباح، والعطر الرخيص الذي أضعه لأبي بعد أن أحلق له ذقنه.
أحيانًا يأتي حيدر.
لا يدخل غرفة أبي إذا لم أكن موجودة. يجلب خضارًا، وحفاضات، ووصولات. يجلس في المطبخ ويغسل الصحون من دون كلام كثير.
أبي يتعرف عليه أحيانًا.
وأحيانًا لا يتعرف.
وعندما لا يتعرف عليه، يخفض حيدر رأسه ويتقبل أقسى عقاب
أن ينساه الرجل الذي أحبه أكثر من الجميع.
في عصر أحد الأيام أخذناه إلى مكان السكة القديمة.
ليس إلى المصرف.
بل ليرى القطارات من بعيد.
كان أبي يرتدي سترته بشكل مرتب، والساعة في جيبه، وقطعة كعك ملفوفة بمنديل. وعندما سمع صوتًا بعيدًا يشبه الصافرة، أغمض عينيه.
وصل.
قال.
ضغطت على يده.
وكان حيدر واقفًا في الجهة الأخرى من الكرسي، صامتًا.
ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن يدفع أبي وكأنه يحمل عبئًا.
كان يدفعه ببطء.
كمن يحمل دينًا.
كمن فهم متأخرًا أن بعض الآباء لا يتركون ميراثًا من المال، بل
وبينما ابتعد الصوت في آخر الطريق، ابتسم أبي بذلك الضوء القصير الذي لم يستطع المرض أن يطفئه بالكامل.
هيا نرجع للبيت.
قال.
وهذه المرة، أطعناه نحن الثلاثة.