صفعتني أخت زوجي أمام أهل القرية كلهم... لكن ما فعلته بعدها أنهى العرس بالكامل!
بقيت كلمات كرار تدور في رأسي كأنها لم تكن جملة عابرة قالها في لحظة غضب، بل كانت حكمًا صدر عليّ أمام الناس كلهم.
بالطلاق إذا مددتِ يدكِ على أختي ما تبقين على ذمتي!
نظرت إليه وأنا لا أكاد أصدق أن الرجل الذي قضيت معه سنتين، وصبرت من أجله، وابتلعت الإهانة مرة بعد مرة حتى لا أخرب بيته ولا أقطع مودته مع أهله، يقف الآن أمامي لا ليحميني، بل ليكسرني أكثر.
كانت يده ما تزال قابضة على معصمي.
وأثر الصفعة ما يزال يحرق وجهي.
أما الناس حولنا، فكانوا واقفين بصمت ثقيل، كأن العرس كله تحول فجأة إلى محكمة، وكل العيون صارت شهودًا على انكساري.
رفعت رأسي بصعوبة، ونظرت في عين كرار وقلت بصوت خرج مني مبحوحًا لكنه وصل إلى كل من كان حولنا
أنت ماذا تقول يا كرار؟ تهددني بالطلاق من أجل سجى؟ من أجل أختك التي مدت يدها عليّ أمام أهل القرية كلهم؟ أنا زوجتك يا كرار، لست غريبة ولا خادمة في بيتكم.
ارتبك وجهه قليلًا، لكنه حاول أن يبقى متماسكًا.
قال وهو يضغط على أسنانه
لا تكبرين الموضوع أمام الناس.
ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة.
أنا التي أكبر الموضوع؟ هي صفعتني أمام الناس، وأنت أمسكت يدي أمام الناس، وهددتني بالطلاق أمام الناس... ثم تقول لي لا تكبرين الموضوع؟
ساد صمت أعمق.
حتى النساء اللواتي كن يتهامسن سكتن.
أما سجى، فكانت واقفة ناحية الطاولة، ترفع ذقنها بغرور، وعلى وجهها ابتسامة صغيرة جعلت قلبي يشتعل أكثر.
كانت ابتسامة من انتصرت.
كأنها تقول لي بلا كلام
رأيتِ؟ أخي اختارني أنا.
في تلك اللحظة، حدث شيء غريب داخلي.
لم أعد أبكي بالطريقة نفسها.
دموعي توقفت فجأة.
والخوف الذي كان يملأ صدري انقلب إلى برود حاد.
نظرت إلى كرار وقلت بصوت واضح
حسنًا يا كرار...
ارتاحت ملامحه فورًا.
ظن أنني استسلمت.
خفف قبضته عن معصمي قليلًا، ثم رفع صوته أمام الناس وقال
هذه زوجتي العاقلة بنت الأصول. تعرف كيف تحفظ بيتها وتحترم زوجها أمام الناس. حصل خير يا جماعة، لا أحد يكبر الموضوع.
ثم التفت إلى سجى وقال
خذي بنتك وادخلي، وانتهى الكلام.
لم يكمل جملته.
لأنني في اللحظة التي ظن فيها أنني انكسرت، سحبت يدي من قبضته، واستدرت نحو سجى بكل ما في قلبي من قهر السنتين الماضيتين.
لم أفكر.
لم أخطط.
كل ما شعرت به أن كرامتي التي سقطت على الأرض قبل دقائق يجب أن تعود واقفة أمام نفس الناس الذين رأوها تُهان.
اقتربت منها خطوة واحدة.
وقبل أن تفهم ما أنوي فعله، رفعت يدي وصفعتها على وجهها صفعة جعلت صوتها يدوّي في الساحة كلها.
شهقت النساء.
وتجمد الرجال.
وسجى تراجعت خطوة وهي تضع يدها على خدها غير مصدقة.
لكنني لم أتوقف.
قلت لها وأنا أرتجف من الغضب
هذه لأنك مددتِ يدكِ عليّ.
ثم صفعتها مرة ثانية على خدها الآخر.
وهذه لأنك أهنتِني أمام الناس.
وقبل أن يندفع أحد نحوي، دفعتها بيدي وهي تحاول أن تصرخ، فسقطت على طرف الطاولة، واهتزت الكراسي من حولها، وانسكبت الأكواب على الأرض.
تحول العرس كله إلى فوضى.
نساء يصرخن.
رجال يندفعون.
أطفال يبكون.
وكرار واقف مكانه كأنه فقد القدرة على الكلام.
كان ينظر إليّ بعينين واسعتين، كأنه يرى امرأة لا يعرفها.
اقترب مني وهو يصرخ
سمر! هل فقدتِ عقلك؟!
التفتُّ إليه وأنا أتنفس بصعوبة، لكنني كنت لأول مرة منذ سنتين أشعر أنني واقفة على قدمي فعلًا.
قلت له بصوت سمعه الجميع
لا، لم أفقد عقلي. أنا فقط استعدته.
اسودّ وجهه من الغضب.
أنتِ كسرتِ كلمتي أمام الناس!
قلت له
وأنت كسرتني قبل قليل أمام
اقترب أكثر، وكانت عروق رقبته بارزة من شدة الغضب.
أنا قلت لك بالطلاق إذا لمستِ أختي!
رفعت رأسي ونظرت إليه دون أن أرمش.
وأنا لم ألمسها مرة واحدة يا كرار... بل رددت لها الإهانة التي حاولت أن تدفنني بها. وإذا كان بيتك لا يحفظ كرامتي، فلا أريده.
صرخ أمام الجميع
إذن أنتِ طالق! ومن هذه اللحظة لا أريد أن أراكِ على عتبة بيتي.
للحظة، شعرت أن الكلمة طعنتني.
ليس لأنني لم أتوقعها.
بل لأنها خرجت منه بسهولة مخيفة.
كأن السنتين اللتين عشتهما معه لم تكونا شيئًا.
كأن صبري لم يكن شيئًا.
كأن كل مرة سكتُّ فيها من أجل بيته لم يكن لها وزن عنده.
لكنني لم أبكِ.
لم أصرخ.
لم أترجاه.
فقط ابتسمت ابتسامة صغيرة كلها وجع، وقلت
بيتك؟ ذلك لم يكن بيتًا يا كرار. كان مكانًا أتعلم فيه كل يوم كيف أبتلع الإهانة وأسميها صبرًا. واليوم انتهى الصبر.
ثم رفعت طرف عباءتي عن الأرض، ومشيت من وسط الساحة.
كان الناس يفتحون لي الطريق بصمت.
لم يجرؤ أحد أن يوقفني.
حتى النساء اللواتي كن قبل دقائق ينظرن إليّ بشفقة، صرن ينظرن إليّ بدهشة، وبعضهن كانت أعينهن تقول إنني فعلت ما تمنين يومًا أن يفعلنه.
أما سجى، فبقيت جالسة قرب الطاولة، وجهها أحمر، ودموعها تنزل من شدة الصدمة، ولم تعد تلك الابتسامة الخبيثة موجودة.
خرجت من العرس وأنا أسمع خلفي أصواتًا كثيرة.
كرار يصرخ.
حماتي تبكي.
رجال العائلة يحاولون تهدئة الموقف.
لكنني لم ألتفت.
ولا مرة.
مشيت في الطريق الترابي المؤدي إلى بيت أهلي، والليل كان ساكنًا بشكل غريب. صوت الزغاريد الذي كان يملأ المكان قبل دقائق أصبح بعيدًا، كأنه من حياة أخرى
كنت أشعر أن وجهي يحترق، ومعصمي يؤلمني من أثر قبضة كرار، لكن الألم الحقيقي كان في مكان أعمق بكثير.
في قلبي.
وصلت إلى بيت أهلي وأنا أحمل بقايا امرأة خرجت من عرس زوجها مطلقة أمام الناس.
طرقت الباب.
فتحت أمي، وما إن رأت وجهي حتى تغير لونها.
سمر؟ ما بكِ يا بنتي؟
دخلت دون أن أجيب.
كانت عباءتي ملطخة ببقع العصير، وشعري خرج من تحت حجابي قليلًا، ووجهي يحمل أثر الصفعة والدموع.
خرج أبي من الغرفة الداخلية وهو يسأل
من على الباب؟
ثم رآني.
تجمد مكانه.
كان أبي رجلًا هادئًا في طبعه، قليل الكلام، لكنه حين يتعلق الأمر بكرامة بناته يتحول إلى جبل لا يتحرك.
قال بصوت منخفض لكنه مخيف
من فعل هذا بكِ؟
جلست على أول كرسي قرب الباب، وحكيت لهم كل شيء.
من لحظة وصولنا إلى العرس.
إلى الطفلة التي اصطدمت بي.
إلى صراخ سجى.
إلى الصفعة.
إلى يد كرار التي منعتني.
إلى يمين الطلاق الذي رماه عليّ وكأنه يملك روحي.
ثم أخبرتهم أنني ضربت سجى، وأن كرار طلقني أمام الناس.
لم تقاطعني أمي.
كانت تبكي بصمت.
أما أبي، فبقي واقفًا طوال الوقت، يده على عصاه، وعيناه لا تفارقان وجهي.
عندما انتهيت، رفع رأسه وقال
قفي يا سمر.
نظرت إليه بخوف.
فظننت أنه سيعاتبني لأنني رفعت يدي في العرس.
لكنه اقترب مني، ووضع يده على رأسي وقال
رفعتِ رأسنا يا بنتي. من يمد يده على بنتنا أمام الناس، عليه أن يعرف أن لها أهلًا، وأن كرامتها ليست رخيصة.
انهارت دموعي عندها.
ليس ضعفًا.
بل لأنني لأول مرة في تلك الليلة شعرت أن هناك من رآني.
من صدق وجعي.
من لم يقل لي اصبري.
أخي الأكبر علي كان جالسًا يسمع بصمت، ثم وقف وقال
ملابسك وأغراضك سترجع إلى هنا غدًا، وإن تأخروا نذهب نحن ونأخذها.
قال
لا أحد يذهب الليلة. نتركهم يغرقون في فضيحتهم حتى الصباح. غدًا لكل حادث حديث.
مرت تلك الليلة طويلة جدًا.
لم أنم.
بقيت كلمات