بعد 10 سنوات من دفنها… هاتف ابنتي رنّ منتصف الليل وقال:

لمحة نيوز

جبار.
والله كنت أنفذ أوامر بس
اقتربت مريم منه خطوة.
إنت اللي كنت تسوق السيارة.
تراجع للخلف.
كان لازم يصير هيچ كنتِ راح تخربين كلشي.
قالت
وعدتني تاخذني لأمي.
صرخ
كنتِ راح تحچين للصحافة! كنتِ راح تكشفين المختار! ؟!
والصمت الذي جاء بعدها
كان أثقل من الليل نفسه.
شعرت أن الدم صعد إلى رأسي.
المختار.
الرجل صاحب الخاتم.
نفس الرجل أمام التابوت المغلق.
نفس الرجل الذي قال لي يومها
الله يعرف حكمته.
نفس الرجل الذي كان يلبس حجرًا أسود مثل الحجر اللامع في يد جبار.
قلت بصوت لم أعرفه
وينه؟
لم يجب جبار.
رفعت مريم يدها وأشارت نحو البيت.
وفي تلك اللحظة
بدأ الهاتف الأرضي في غرفة الجلوس يرن من جديد.
سمعته من الساحة.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
نظر جبار نحو البيت برعب.
وقال وهو يرتجف
لا تردين.
هذه المرة
هو من كان يتوسل.
مشيت نحو البيت ببطء، وعيني لا تفارقه.
كانت ظلال الفتيات تتبعني حتى الباب.
كان الهاتف يهتز فوق الطاولة، والشاشة مضيئة.
الرقم الذي ظهر لم يكن رقم مريم.
كان رقم ديوان المختار.
رفعت السماعة.
ألو؟
امتلأ الخط بتنفس ثقيل.
ثم جاء صوت عجوز أعرفه جيدًا
أم علي اسمعيني بهدوء. جبار فقد عقله. لا تصدقين ولا كلمة يقولها.
عرفت الصوت فورًا.
المختار عبد الرزاق.
صار كبيرًا ومريضًا، وصار أهل القرية يحيّونه باحترام في كل عزاء
ومناسبة.
قلت
إنت قتلت بنتي.
سكت لحظة.
ثم قال ببرود
بنتك كانت كثيرة الكلام.
تمسكت بحافة الطاولة حتى لا أسقط.
كانت عمرها تسعة عشر سنة.
قال
وكان عندها لسان. وهذا كان الخطر.
انطفأ شيء داخلي.
لم يبقَ خوف.
ولا ألم.
فقط هدوء مخيف.
قلت
والطفل؟
زاد تنفسه على الخط.
ما كان طفلًا. كان غلطة.
من الساحة خرج نحيب جعل النوافذ ترتجف.
كل النساء بكين في اللحظة نفسها.
لكن بكاءهن لم يكن كبكاء الأحياء.
كان بكاء قديمًا، مليئًا بالتراب، والليالي المقفلة، وأمهات لم يعرفن أين يضعن الورد.
سمعه المختار أيضًا عبر الهاتف.
قال بصوت مرتبك
شنو هذا الصوت؟
ظهرت مريم بجانبي.
انعكس وجهها داخل زجاج صورتها المكسورة.
قالت
قولي له يجي يا يمّه.
همست
شنو؟
قالت
قولي له إن جبار راح يحكي.
نظرت نحو الساحة.
كان جبار على ركبتيه، محاطًا بالظلال.
لم يلمسنه.
لكنه كان يتصبب عرقًا كأنه يحترق.
وفهمت.
قلت بصوت ضعيف متكسر
مختار عبد الرزاق جبار ورّاني الدفتر. يقول باچر راح يسلمه للصحافة والشرطة.
شتم المختار بصوت خافت.
الغبي.
قلت
هو هنا.
قال بسرعة
لا تخلّينه يطلع.
وانقطع الخط.
نظرت إليّ مريم.
جاي.
لم أسأل كيف عرفت.
الموتى يعرفون طرقًا لا يراها الأحياء.
صرخ جبار من الخارج
أم علي الله يخليكِ ساعديني!
خرجت.
وجدته يبكي ووجهه مبلل بالدموع.
لم يعد المسدس في يده.

كانت تمسكه فتاة من الظلال، شعرها مضفور، رغم أن أصابعها كانت شفافة.
قال جبار وهو يختنق بالكلام
أحچي أحچي بكلشي عندي أوراق تسجيلات أسماء بس خليهم يبتعدون عني.
اقتربت منه وقلت
وين جسد بنتي؟
قال بسرعة
ما أعرف.
خفضت مريم رأسها.
بدأ جبار يختنق بكلماته.
ثم قال
البيت الأبيض خلف التلال تحت الصليب الثالث. بس مو كاملة الدكتور أخذ أجزاء حتى ما يقدرون يعرفونها.
هجمت عليه.
لا أعرف إن كنت ضربته بيدي أم بعشر سنوات من الوجع الذي تعفن داخلي.
خدشت وجهه.
صرخت فيه.
سألته لماذا.
لماذا ابنتي؟
لماذا طفلها؟
لماذا كل هؤلاء؟
هو فقط كان يغطي وجهه ويبكي.
ومريم لم توقفني.
وعندما نفدت قوتي أخيرًا
سمعت صوت محركات من بعيد.
سيارتان كانتا تقتربان من الطريق الترابي، أنوارهما مطفأة.
لم تكن شرطة.
في قريتنا، العدالة لا تأتي بصمت.
الذي كان يقترب كان يأتي مثل المذنبين.
شحَب وجه جبار.
هو.
تشابكت أيدي النساء حول البئر.
واقتربت مني مريم.
قالت بهدوء
يمّه لما يدخلون لا تلتفتين للوراء.
قلت
ما راح أتركچ.
قالت
إنتِ تركتيني بسلام عشر سنوات بدون ما تعرفين هسه خليني أنا أكمل.
توقفت السيارتان أمام البيت.
نزل أربعة رجال يحملون أسلحة.
ثم ساعدوا رجلًا عجوزًا على النزول.
كان يرتدي عقالًا وعباءة داكنة، يتكئ على عصا، وفي يده خاتم ذهبي بحجر أسود.
المختار
عبد الرزاق.
رغم أن العمر حنى جسده، بقيت عيناه مليئتين بالسم.
قال
أم علي طول عمرچ امرأة مطيعة. لا تخربينها بآخر العمر.
رفعت الدفتر في وجهي.
كل شيء هنا.
ابتسم.
ومنو راح يصدّقچ؟ امرأة كبيرة تحچي مع هواتف الموتى؟
ضحك أحد رجاله.
ثم أجاب البئر.
ليس بأصوات.
بل بضربات.
من الأسفل بدأت قبضات تضرب الحجر.
عشرات.
مئات.
كأن كل الأطفال المدفونين هناك استيقظوا في اللحظة نفسها.
توقف الرجال عن الضحك.
تشققت الأرض تحت أقدامهم بخطوط رفيعة.
ومن كل شق خرج خيط ماء أسود، رائحته تشبه المستشفيات القديمة والدم والذنب.
تراجع المختار خطوة.
صرخ في جبار
شسويت؟
بكى جبار فقط وقال
هم اتصلوا بي أول كل ليلة كل ليلة من عشر سنين.
مشت مريم نحو المختار.
لم تعد تبدو ظلًا ضعيفًا.
خلفها كانت الفتيات.
وخلف الفتيات أضواء صغيرة، مثل يراعات تخرج من البئر.
الأطفال.
كان حفيدي بينهم.
لا أعرف كيف عرفت لكنني عرفت.
انفصل ضوء صغير دافئ عن البقية واقترب مني.
استقر بين يدي.
لم يكن له وزن.
لكنني شعرت بأصابع صغيرة تمسك روحي.
سقطت على ركبتي.
همست
سامحني يا حبيبي سامحني.
ازداد الضوء دفئًا.
بدأ المختار يصرخ بالأوامر.
لكن رجاله لم يعودوا يسمعونه.
كانوا ينظرون خلفه نحو الطريق.
هناك، من بين الضباب، بدأت نساء أخريات يأتين.
كثيرات.
بعضهن بفساتين قديمة.
بعضهن بملابس
ممرضات.
بعضهن بمراييل مطبخ.
وبعضهن كنّ صغيرات جدًا.
خرجن من الظلام كأن القرية كلها بدأت تتقيأ أسرارها.
قال المختار بصوت مخنوق
لا لا مو إنتِ.
اقتربت امرأة لا عينين لها، ووضعت يدها على كتفه.

تم نسخ الرابط