بعد 10 سنوات من دفنها… هاتف ابنتي رنّ منتصف الليل وقال:
كانت صورة الأشعة صفراء وقديمة، مطوية أربع مرات، وفي زاويتها بقعة بنية كأن أحدهم أخفاها يومًا بيدين مليئتين بالتراب.
في البداية لم أفهم شيئًا.
رأيت فقط ظلًا صغيرًا داخل ظل أكبر.
نقطة حياة صغيرة محاصرة داخل السواد والبياض.
وتحتها بخط طبيب مهتز كانت مكتوبة عبارة
12 أسبوعًا.
اثنا عشر أسبوعًا.
في الوقت نفسه الذي قالوا فيه إنها سقطت بالسيارة واحترقت قرب الطريق الزراعي.
ضغطت صورة الأشعة على صدري، وشعرت أن شيئًا انكسر داخلي للمرة الثانية.
لكن هذه المرة لم يكن حزنًا.
كان غضبًا.
غضبًا قديمًا، حارًا، مدفونًا منذ عشر سنوات تحت الدعاء والصبر والكذب.
همست داخل الهاتف
منو كان؟ ابن منو هذا الطفل يا مريم؟
في الطرف الآخر لم أسمع سوى بكاء خافت.
وفي الخارج
ضرب جبار الباب بقبضته بعنف.
أم علي! افتحي فورًا! إنتِ ما تعرفين شنو داخلين بيه!
نظرت نحو النافذة.
يده ما تزال تمسك القضبان الحديدية.
والخاتم الأسود يلمع رغم الظلام.
قالت مريم
مو وحده كنت.
اختفى نفسي.
شتقصدين مو وحده؟
كنا هواي.
وفي تلك اللحظة
خرج صوت من ساحة البيت الخلفية جمّد الدم داخل عظامي.
غطاء البئر المعدني تحرك وحده.
في البداية صدر صوت احتكاك بطيء، كأن أظافر تحك الحديد.
ثم ضربة قوية.
ثم تدحرجت الصخور التي وضعها زوجي فوق البئر فوق التراب كأن أحدًا دفعها من الداخل.
توقف جبار عن الطرق.
هو أيضًا سمع الصوت.
قال بصوت منخفض هذه المرة
أم علي لا تطلعين لوجه الله لا
ضحكت.
ولا أعرف من أين خرجت تلك الضحكة.
ضحكة مكسورة ويابسة، كأن امرأة ثانية تسكن داخلي.
هسه خفت عليّ أستاذ جبار؟
ساد الصمت.
ثم تغير صوته تمامًا.
بنتك راحت بمكان ما كان لازم تروحه. أكو عوائل ما يصير تنذكر أسماؤها. وأكو أسرار لازم تبقى مدفونة.
صرخت
وأكو أطفال تنرمى بالآبار؟
لم يجب.
لكن مريم تكلمت مجددًا.
ولم يعد صوتها يخرج من الهاتف.
صار يخرج من الجدران.
من الخزانة.
من الأرضية.
حتى الشمعة بدأت ترتجف كأنها تتنفس.
قالت
افتحي الدفتر على صفحة الورود.
كانت يداي ترتجفان بقوة حتى كدت أسقطه.
بدأت أقلب الصفحات.
أغانٍ قديمة.
كلمات مبعثرة.
قوائم مشتريات.
رسومات قلوب ونجوم.
ثم وجدت رسمة وردة صفراء صغيرة.
وبين أوراقها كانت هناك كتابة دقيقة جدًا.
رفعت الصفحة نحو الشمعة حتى أستطيع قراءتها.
البيت الأبيض خلف التلال. ثلاث صلبان خلف البئر. جبار عنده المفتاح. المختار يأمر. والدكتور يوقّع.
قرأت الكلمات وكأن مسامير تدق داخل لساني.
البيت الأبيض خلف التلال.
مكان مهجور لا يقترب منه أهل القرية إلا نادرًا.
كان أهل القرية يقولون إن الناس تركوه منذ سنوات الحرب القديمة.
ويقولون إن النساء تبكي هناك ليلًا.
لم أذهب إليه يومًا.
همست
أخذوكم لهناك؟
قالت مريم
هناك حبسونا.
وفجأة
بدأ الهاتف يصدر شرارات صغيرة.
وامتلأ الخط بالأصوات.
ليس صوتًا واحدًا.
بل أصوات كثيرة.
فتيات صغيرات.
واحدة تبكي.
واحدة تصلي.
واحدة تنادي أمها.
وأخرى تصرخ
لا
وضعت يدي على أذني، لكن الأصوات دخلت داخلي رغمًا عني.
وفهمت أخيرًا.
مريم لم تكن وحدها.
لا في موتها.
ولا في خوفها.
ضرب جبار النافذة بشيء معدني.
تشقّق الزجاج.
أعطيني الدفتر يا أم علي! أعطيني إياه وينتهي كل شيء!
قلت
لا.
ولأول مرة منذ عشر سنوات
لم يكن صوتي يشبه التوسل.
ركضت نحو المطبخ.
أمسكت ساطور زوجي القديم الذي كان يستخدمه لقطع الحطب.
كان صدئًا لكنه حاد.
قبضت عليه بكلتا يدي وخرجت من الباب الخلفي.
الساحة كانت باردة.
والقمر مختبئ خلف الغيوم السوداء.
أما البئر
فلم يعد مغطى.
اقتربت منه ببطء.
خرجت منه رائحة بشعة.
رطوبة.
طين متعفن.
ورد ميت.
قالت مريم
لا تنظرين زين يا يمّه
لكنني نظرت.
في أسفل البئر لم يكن هناك ماء.
كان هناك تراب مقلوب.
وفوق التراب
شيء أبيض.
عظام.
صغيرة جدًا.
أصغر مما يجب.
شعرت أن روحي انهارت داخلي.
ركعت قرب حافة البئر ومددت يدي للأسفل، كأنني أستطيع الوصول إليهم كأنني أستطيع الاعتذار لهم لأنني لم أعرف لأنني كنت أدعو لهم دون أن أسمعهم.
صدر صوت خطوات خلفي فوق التراب.
ما كان لازم تسوين هيچ.
وقفت بسرعة ورفعت الساطور.
ورأيته أخيرًا بوضوح تحت ضوء القمر.
لم يكن يرتدي بدلته مثل يوم الجنازة.
كان يرتدي جزمة مليئة بالطين وقميصًا داكنًا، وفي يده مسدس.
وجهه صار أنحف وأكبر عمرًا لكن عينيه بقيتا كما هما.
عينا رجل اعتاد أن يفتح الخوف له الأبواب.
صرخت
إنت قتلت بنتي!
قال ببرود
بنتك قتلت نفسها
أردت أن أهجم عليه، لكنه رفع المسدس فورًا.
لا تتحركين.
شددت قبضتي على الساطور.
وين بنتي؟
ابتسم ابتسامة ملتوية.
داخل التابوت اللي دفنتيه.
صرخت
كذاب!
اختفت ابتسامته.
وقال بصوت بارد
أحيانًا الناس تحتاج أكاذيب حتى تكدر تعيش يا أم علي. إحنا عطيناچ جنازة. ورد. عزاء. غير أمهات حتى هذا ما حصلن.
وفجأة
صدر صوت من البئر.
في البداية كأنه قطرات ماء.
رغم أن البئر جاف.
ثم همهمة.
ثم صوت طفل صغير يغني تهويدة.
التفت جبار نحو البئر ووجهه شاحب.
وهمس بخوف
اسكتوا
سمعته جيدًا.
كان يعرف الأصوات.
كأنه سمعها سابقًا.
خرج هواء بارد من البئر تفوح منه رائحة مستشفى وطين مبتل.
وانطفأت شمعة البيت.
لكن الساحة امتلأت بنور أبيض لا يشبه نور القمر.
ثم رأيتهن.
حول البئر ظهرت نساء.
لم يمشين.
كنّ فقط هناك فجأة.
كأن الليل أنجبهن من الظلام.
واحدة ترتدي مريول مدرسة.
واحدة بفستان ممزق.
واحدة حافية القدمين وشعرها ملتصق بوجهها.
وأخرى تضم بطنًا فارغًا.
وبينهن
كانت مريم.
ابنتي.
بعمرها نفسه.
ترتدي البلوزة الصفراء التي خبأتها داخل الصندوق الأزرق.
وشعرها الطويل فوق كتفيها.
وفي جبينها جرح داكن.
لم تكن تشبه الصورة المعلقة على الجدار.
كانت تشبه آخر ليلة احتاجتني فيها.
سقط الساطور من يدي.
يمّه
نظرت إليّ بحنان أنهاني تمامًا.
وقالت
لا تبچين إنتِ بكيتي كفاية على كذبة.
أردت أن ألمسها.
لكن الهواء بيننا كان مثل الزجاج.
بدأ جبار يقرأ آيات بصوت
ويرسم إشارات فوق صدره.
ما تكدرون تلمسوني إحنا دفنّاكم سوّينا عزاء عليكم
ضحكت إحدى الفتيات.
وقالت
إنتو ما دفنتونا.
ثم خرج صوت طفل صغير من البئر
وإحنا هم لا.
بدأ المسدس يرتجف بيد