كنت أظن نفسي فتاة فقيرة ووحيدة… حتى اكتشفت أن إخوتي يحكمون نصف بغداد

لمحة نيوز

وأحيانًا أختبئ في الحديقة لأن كل شيء كان أكبر من قدرتي على الاستيعاب.

لكن إخوتي أصروا أن يسحبوني إلى عالمهم.

غيث علمني كيف أستخدم أجهزة الألعاب، وكان يضحك عليّ لأنني أشعر بالدوخة فقط من تحريك الكاميرا داخل اللعبة.

وليث كان يأخذني إلى مقاهٍ هادئة ومخفية حتى لا تتبعنا صفحات المشاهير والمصورون.

أما أدهم…

فكان مختلفًا.

أهدأ.

وأصعب في الفهم.

لكن في صباح مبكر، وجدته جالسًا وحده في المطبخ، ينظر إلى صورة قديمة لأمي.

سألته بهدوء:

— كنت تكرهها؟

استغرق وقتًا طويلًا قبل أن يجيب.

— كرهتها سنوات طويلة لأنها تركتنا.

شعرت ببرودة مفاجئة.

لأنني فهمت هذا الشعور تمامًا.

أخذ أدهم نفسًا عميقًا.

— وبعدها فهمت إنها ما تركتنا بإرادتها… هم أجبروها تختار أي طفل تقدر تنقذه.

وهذا حطم شيئًا داخلي بالكامل.

لأنني لسنوات كنت أظن أن أمي كانت تفضّل أحدًا على أحد.

لكنها لم تكن كذلك.

كانت فقط امرأة فقيرة تحاول النجاة أمام ناس أقوى منها بكثير.

في أحد أيام الأحد، ذهبنا معًا إلى مدينتي لزيارة قبرها.

غيث أحضر باقات ورد ضخمة.

وليث بكى طوال الطريق تقريبًا.

أما أدهم، فوقف أمام القبر وقتًا طويلًا بدون أن يقول كلمة واحدة.

وأنا أيضًا بقيت صامتة.

لأنه لم يعد لدي شيء ألوم أمي عليه.

لقد فعلت كل ما استطاعت فعله بما تملك.

وقبل

أن نغادر، وضع أدهم يده فوق شاهد القبر وقال جملة ما تزال عالقة في رأسي حتى اليوم:

— سامحينا لأننا تأخرنا كل هالوقت حتى نوصلكِ.

وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا مهمًا جدًا.

أحيانًا الحياة فعلًا تفرق العائلات.

المال.

النفوذ.

الكبرياء.

لكنني تعلمت شيئًا أقوى من كل ذلك:

إذا كان الحب حقيقيًا… حتى السنوات الضائعة تجد طريقها للعودة يومًا ما.

واليوم، ما زلت أعيش في بغداد.

لم أعد أحمل حقيبتي البلاستيكية معي في كل مكان، لكنني ما زلت أحتفظ بها بعناية داخل خزانتي، مطوية كما كانت يوم وصلت لأول مرة إلى العاصمة وأنا أظن أنني سأعود منها مكسورة أو مطرودة أو ضائعة أكثر مما كنت.

غيث يقول دائمًا إننا يجب أن نضعها داخل صندوق زجاجي لأنها “قطعة أثرية رسمية تخص العائلة”، ثم يبدأ بالضحك ويصورها بهاتفه وكأنه يصنع محتوى لمتابعيه.

أما ليث، فما يزال يعاملني وكأن عمري خمس عشرة سنة.

إذا تأخرت بالرد عليه نصف ساعة، يتصل فورًا.

وإذا مرضت قليلًا، يتحول البيت كله إلى حالة طوارئ.

وفي كل مرة أزور موقع تصوير معه، يصرّ أن يعرف من أوصلني، ومن سيعيدني، وإذا أكلت أم لا.

أما أدهم…

فما يزال يتظاهر بالبرود دائمًا.

لكنني اكتشفت مع الوقت أن هدوءه يخفي أشياء كثيرة.

كلما خرجت وحدي، يرسل سائقًا خاصًا خلفي وكأنه يظن أن بغداد ستنهار إذا ركبت سيارة

أجرة عادية.

وكل ليلة تقريبًا، يرسل رسالة قصيرة جدًا لا تحتوي إلا على سؤال واحد:

“وصلتِ؟”

وفي الصباح التالي، يتصرف وكأنه لم يرسل شيئًا أصلًا.

أحيانًا ما زلت أستيقظ باكرًا قبل الجميع، وأجلس قرب النوافذ الكبيرة المطلة على الحديقة، وأشعر بالغرابة من حياتي كلها.

قبل سنة واحدة فقط، كنت أعيش في بيت صغير يتسرب المطر من سقفه.

واليوم، هناك حراس عند البوابة، وسائق ينتظرني في الخارج، وأشخاص يعرفون أسماء إخوتي أكثر مما يعرفون أسماء السياسيين.

ومع ذلك…

أغرب شيء لم يكن المال.

ولا البيت.

ولا السيارات.

أغرب شيء في كل ما حدث… لم يكن القصر، ولا السيارات، ولا الشهرة، ولا حتى كمية المال التي كنت أراها حولي كل يوم.

أغرب شيء كان شعوري بأنني لم أعد وحدي.

هذا الإحساس بالتحديد كان جديدًا عليّ أكثر من أي شيء آخر.

لأول مرة في حياتي، أصبح هناك أشخاص يقلقون إذا اختفيت فجأة أو تأخرت عن العودة.

أشخاص يتصلون فقط ليسألوا إن كنت أكلت أم لا.

أشخاص ينتظرونني على مائدة العشاء بدل أن آكل وحدي بصمت.

أشخاص يتجادلون معي على أشياء سخيفة، ثم يعودون بعد دقائق وكأن شيئًا لم يحدث.

أشخاص يشبهونني.

يشبهون ملامحي.

وطريقتي بالكلام.

حتى صمتي أحيانًا.

وفي بعض الليالي، عندما أجلس وحدي داخل غرفتي، وأرى أضواء بغداد من خلف النوافذ الكبيرة،

أتذكر حياتي القديمة كلها دفعة واحدة.

أتذكر بيتنا الصغير.

صوت المطر فوق السقف المعدني.

رائحة الشاي الذي كانت أمي تحضره في الشتاء.

وأتذكر تلك السنوات الطويلة التي عشتها وأنا مقتنعة أن العالم كله نسي وجودي.

لكنني لا أبكي كما كنت أفعل سابقًا.

لأنني أخيرًا فهمت الحقيقة كاملة.

أمي لم تتخلَّ عنا لأنها أرادت ذلك.

ولم تكن أمًا قاسية أو باردة كما كنت أظن أحيانًا وأنا صغيرة.

هي فقط كانت امرأة ضعيفة تحاول النجاة داخل عالم أقوى منها بكثير.

امرأة لم تملك المال.

ولا النفوذ.

ولا القدرة على مواجهة عائلة تستطيع شراء كل شيء.

حتى الناس.

حتى القانون.

حتى الصمت.

ومع ذلك…

رغم كل ما خسِرته…

نجحت في شيء واحد على الأقل.

تركت لنا خيطًا صغيرًا أوصلنا إلى بعض في النهاية.

أحيانًا أفكر كم كان ذلك صعبًا عليها.

أن تعيش وهي بعيدة عن أولادها.

أن ترى صورهم يكبرون بدونها.

أن تعرف أن ابنتها الصغيرة تكبر وهي تظن أن لا أحد يريدها.

ثم أتذكر آخر ليلة معها.

الطريقة التي أمسكت بها يدي.

والخوف الموجود في عينيها وهي تطلب مني أن أبحث عنهم.

وقتها ظننت أنها تطلب مني المستحيل.

لكنها، بطريقة ما، كانت تعرف أننا سنجد بعض يومًا ما.

وبصراحة…

بعدما كبرت وأنا أعتقد أنني وحيدة تمامًا في هذا العالم…

اكتشاف أن هناك أشخاصًا كانوا ينتظرونك

طوال الوقت، دون أن تعرف…

يشبه أن يفتح أحدهم نافذة داخل صدرك بعد سنوات طويلة من الاختناق.

يشبه العودة إلى البيت، حتى لو لم تكن تعرف طوال حياتك أين كان هذا البيت أصلًا.

ويشبه كثيرًا…

تعلّم التنفس من جديد.

تم نسخ الرابط