حماتي وضعت منومًا في شوربتي… لكن الكاميرا سجلت الكارثة التي قلبت العائلة كلها ضدها!
فقط بكيت.
لم أبكِ على سيف.
ولا على أمينة.
بكيت لأن جارتي صدقتني أكثر من زوجي.
الأيام التالية كانت جحيمًا من الأوراق والاتصالات.
تقارير.
نسخ.
صور شاشة.
رفع الفيديو على التخزين السحابي.
وفحص عينة الشوربة.
أما سيف، فكان يقف يوميًا أسفل بناية أختي في المنصور، غير قادر حتى على الصعود لأن أمر الحماية يمنعه من الاقتراب دون موافقتي.
كان يرسل رسائل طويلة.
لكنني لم أرد.
زهراء سامحيني.
سأشهد ضد أمي.
ليس لدي أي عذر.
أحبك.
كنت أقرأ كلمة أحبك فتؤلمني.
لأن الحب لم يظهر عندما بدأت ملابسي تتحرك من مكانها.
لم يظهر عندما كانت أمه تناديني بالطماعة.
لم يظهر عندما قلت له إنني أخاف النوم داخل بيته.
وصل متأخرًا كما يحدث مع كثير من الرجال، بعد أن أصبحت الحقيقة مسجلة بالصوت والصورة.
بعد أسبوع، أدلى سيف بأقواله.
قال إنه لم يكن يعرف بالخطة.
وقال إن أمه اتصلت به وهي تصرخ وكأن هناك مصيبة.
وقال إنها كانت تقنعه منذ أشهر بأنني أخونه.
واعترف، بصوت مكسور، بأنه كان جبانًا.
أنا لم أحضر جلسته.
محاميتي، الأستاذة هناء، أخبرتني بكل شيء.
كانت امرأة حادة وذكية، تحمل ملفات أكثر مما تحمل حقيبة.
قالت لي
زوجك ليس بريئًا بالكامل لكنه على الأقل لا يكذب. وهذا يفيد القضية.
قلت بتعب
لا أعرف إذا كنت أريد أن يفيدها أصلًا.
أغلقت الملف أمامها.
هذا لم يعد موضوع قانون يا زهراء هذا موضوع قلب.
أول جلسة كانت داخل محكمة رمادية، مليئة بوجوه تعبت من سماع الكذب.
دخلت أمينة بعباءة سوداء ومسبحة ملفوفة حول يدها.
ومريم تسندها وكأنها ضحية.
ما إن رأتني حتى رفعت ذقنها.
بعدك تقدرين تتراجعين عن كل هذا.
وقفت المحامية هناء أمامي مباشرة.
أي تهديد إضافي وسنضيف تهمة ترهيب للشهود.
ابتسمت أمينة
أنا لا أهدد أنا أنصح.
وصل سيف بعد دقائق.
بدون أناقته المعتادة.
وبدون تلك الثقة التي كان يعيش بها تحت ظل أمه.
حاول أن ينظر إلي، لكنني بقيت أنظر للأمام.
داخل القاعة، شُغّل الفيديو مرة أخرى.
امتلأت المحكمة بصوت أمينة
مستحيل تصحى. أعطيتها كمية تكفي.
بدأت مريم بالبكاء.
وطلب القاضي الهدوء.
أكد تقرير المختبر وجود مادة منومة داخل الشوربة.
وروت الشرطية كيف وجدت الغرفة.
أما الرجل، واسمه مازن، فوافق على الشهادة مقابل تخفيف الحكم، وأشار إلى أمينة مباشرة دون تردد.
هناك فقط انفجرت.
ليس من الندم.
بل من الغضب.
نعم فعلتها! صرخت ولو عاد الزمن سأفعلها مرة ثانية! هذه المرأة سرقت ابني مني! قلبته ضد أهله! أنا ربّيته! أنا تعبت عليه! من تكون حتى تأخذ مكاني؟!
وقف سيف فجأة.
ما كان عندك مكان بغرفة نومنا يا أمي!
كان الصمت قاسيًا.
نظرت إليه أمينة وكأنها تلقت صفعة.
سيف
لا تناديني ابني حتى تغطين اللي سويتيه. كان ممكن تقتلينها. كان ممكن تدمرين حياتها. دخلتِ رجل غريب لغرفتها وهي فاقدة الوعي!
صرخت
كنت أسوي هذا لمصلحتك!
انهار صوته.
لا كنتِ تسوينه حتى تسيطرين عليّ.
ولأول مرة منذ عرفتها
رأيت أمينة تخسر فعلًا.
ليس بسبب المحكمة.
ولا بسبب القضية.
بل لأن ابنها توقف أخيرًا عن طاعتها.
أصدر القاضي أوامر حماية مشددة.
ومنع تواصل دائم.
وأمر بإبعاد أمينة عن الشقة فورًا، لأن عقد الإيجار باسمي واسم سيف معًا، رغم أنها كانت تردد دائمًا أن كل شيء يخصها.
انهارت على الكرسي.
أما مريم، فنظرت إلي بكراهية واضحة.
أنتِ دمرتي هذه العائلة.
أخذت نفسًا عميقًا.
لا أنا فقط شغّلت الضوء.
في ذلك المساء، عدت إلى الشقة حتى أجمع أغراضي.
ذهبت مع شرطيين، ومحاميتي، وأم خالد التي
الغرفة لم تعد تشبه غرفتي.
السرير مرتب.
الشوربة اختفت.
وخلف المرآة بقي فراغ صغير مكان الكاميرا.
وضعت ملابسي داخل حقيبة سوداء.
وعندما رأيتها، تذكرت كلام أمينة.
الكنة تدخل بفستان أبيض وتطلع بحقيبة سوداء.
شعرت بقشعريرة تمر في جسدي.
نعم.
لكنها نسيت شيئًا مهمًا.
أنا لم أخرج مهزومة.
أنا خرجت حية.
كان سيف واقفًا في الصالة، مسموح له فقط بتسليمي الأوراق القانونية.
عيناه حمراوان من السهر.
وكان يمسك المفاتيح بيده.
غيرت الأقفال قال بهدوء أمي ما عاد تقدر تدخل.
جيد.
الشقة أيضًا باسمك إذا تريدين تبقين هنا، أنا أطلع.
نظرت إليه طويلًا.
كان هناك الرجل الذي أحببته.
الرجل الذي كان يجلب لي السمبوسة والشاي عندما أتأخر بالعمل.
الرجل الذي رقص معي يوم زفافنا على أغنية قديمة خرجت من سماعات رديئة.
والرجل نفسه الذي تركني وحدي أمام امرأة كانت تكرهني بكل ما فيها.
قلت بهدوء
لا أريد أعيش في مكان اضطررت فيه أن أتظاهر بالنوم حتى يصدقني أحد.
خفض رأسه.
أفهم.
لا يا سيف أنت فقط بدأت تفهم.
سحبت الحقيبة واتجهت نحو الباب.
تكلم خلفي بصوت مكسور
انتهى كل شيء؟
توقفت للحظة.
جزء مني أراد أن يقول لا.
أراد العودة إلى يوم زفافنا، قبل أن تناديني أمه بالدخيلة، وقبل أن يخلط هو بين طاعة أمه والحب.
لكن الإنسان يتعلم أحيانًا أن الاشتياق وحده لا يكفي للعودة.
قلت دون أن ألتفت
زهراء التي كانت ترجوك أن تصدقها انتهت والباقي سأكتشفه عندما تتوقف يداي عن الارتجاف.
مرت أربعة أشهر.
استأجرت شقة صغيرة وهادئة في الكاظمية.
في البداية، كنت أنام والكرسي خلف الباب.
ثم أنام والمصباح مضاء.
ثم،
سيف بدأ جلسات علاج نفسي.
وأنا أيضًا.
لم يطلب مني إسقاط القضية.
ولم يدافع عن أمه.
ولم يرسل وردًا أو رسائل درامية.
فقط نفذ ما يجب عليه
شهد بالحقيقة.
سلّم الأدلة.
ودفع ما ترتب عليه قانونيًا.
ثم انتظر بصمت.
أما أمينة، فدخلت القضية وهي ما تزال تمسك مسبحتها وكبرياءها.
ومريم توقفت عن الاتصال بي تمامًا.
أما مازن، الرجل الذي دخل غرفتي تلك الليلة، فاختفى من حياتي بنفس السرعة التي ظهر بها برائحة سجائر رخيصة وخوف.
في أكتوبر، أخذتني أم خالد إلى سوق شعبي كبير لبيع الزهور.
قالت لي
البيت الجديد يحتاج زرع حتى يتنفس.
مشينا بين ألوان البرتقالي والأحمر والأخضر.
اشتريت زهورًا، وبخورًا، ونبتة صغيرة فقط لأنني شعرت أنني أريد شيئًا حيًا يشبه البداية.
في تلك الليلة، رتبت زاوية صغيرة قرب النافذة.
صورة أمي.
كأس ماء.
وقطعة كليجة.
وبجانب الشموع وضعت الزر الأسود الصغير الخاص بالكاميرا.
ليس كتذكار خوف.
بل كدليل أنني نجوت.
وصل سيف في المساء ليعطيني بعض البريد.
وقف عند الباب دون أن يحاول الدخول.
رائحة بخور قال بهدوء.
ورائحة بيت أيضًا.
هز رأسه.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع، لكنه لم يستعملها هذه المرة حتى يكسب شفقتي.
زهراء لا أعرف إذا كنتِ ستسامحينني يومًا.
وأنا أيضًا لا أعرف.
صمت قليلًا.
ثم قال
لكن شكرًا لأنك لم تنامي تلك الليلة.
نظرت إليه طويلًا.
وخلفي كانت الزهور البرتقالية تلمع تحت الضوء الخافت.
لم يكن حظًا يا سيف كان بقاء.
خفض نظره.
أعرف.
أغلقت الباب بهدوء.
ليس بخوف.
ولا بكراهية.
بل براحة جديدة لم أعرفها من قبل.
في الخارج، بقيت بغداد مزدحمة كعادتها.
سيارات.
باعة.
أصوات بعيدة.
وحياة لا تتوقف.
أما داخل شقتي الصغيرة
فكان
هدوء يشبه النجاة.
وجلست قرب النافذة أفكر أن بعض النساء لا يهربن بالركض.
أحيانًا يهربن فقط عندما يفتحن أعينهن جيدًا وسط الظلام.
ويتركن الكذبة تسجل نفسها بنفسها.