أعطاها بطاقة بلا حد ليختبرها… لكنه لم يكن مستعدًا لما اشترته لابنتها
المحتويات
فورًا.
نظرت تلقائيًا نحو البطاقة الموضوعة فوق الطاولة.
آسفة إذا صرفت كثيرًا
لم تصرفي كثيرًا.
سكتت.
ثم قال بعد لحظة
هل تناولتِ أنتِ الطعام اليوم؟
تفاجأت من السؤال نفسه.
كأن أحدًا لم يسألها هذا منذ زمن طويل.
قالت بهدوء مرتبك
نعم.
لكنه شعر فورًا أنها تكذب.
نظر إلى تفاصيل العمليات مرة أخرى.
كل الطلبات تقريبًا كانت تخص الطفلة.
ملابس أطفال.
وجبات أطفال.
أدوية أطفال.
حتى المطاعم كانت أرخص شيء بالقائمة.
قال دون أن يفكر كثيرًا
طلبتِ وجبة واحدة فقط أمس من المطعم.
ساد الصمت.
ثم قالت غادة بصوت منخفض جدًا
ليان كانت جائعة أكثر مني.
أغلق فهد عينيه للحظة.
وشعر بشيء ثقيل يتحرك داخل صدره.
شيء لم تستطع كل أموال العالم أن تمنعه هذه المرة.
لأن المرأة التي ظن أنها قد تستغل بطاقته
كانت ما تزال تتصرف وكأنها لا تستحق حتى أن تأكل جيدًا.
في صباح اليوم التالي، استيقظ فهد قبل المنبه لأول مرة منذ أشهر.
بقي مستلقيًا للحظات وهو ينظر إلى سقف غرفته الواسعة.
ثم مد يده مباشرة نحو الهاتف.
فتح سجل العمليات البنكية قبل أي شيء آخر.
لم يكن هناك أي شراء فاخر.
ولا سحب نقدي.
ولا حتى محاولة لاستغلال البطاقة.
فقط متجر صغير للإفطار.
ثم صيدلية مرة أخرى.
تنفس ببطء.
شيء داخله كان يرتاح
وشيء آخر كان ينزعج لأنه يرتاح.
كانت غادة تجلس في عيادة أطفال خاصة قرب الفندق.
ليان نائمة على كتفها بتعب.
والطبيبة تقلب نتائج الفحص أمامها.
عندها التهاب قوي بالصدر بسبب البرد والإرهاق لكنها ستكون بخير إن شاء الله.
أغمضت غادة عينيها للحظة.
وكأن جسدها كله انهار بعد سماع جملة ستكون بخير.
هل تحتاج دخول مستشفى؟
لا، فقط راحة وأكل جيد وانتظام على الدواء.
هزت غادة رأسها بسرعة.
ثم سألت السؤال الذي يفضح أي شخص عاش ضيق المال طويلًا
كم الحساب؟
ابتسمت الطبيبة بخفة وهي تذكر الرقم.
ورغم أن البطاقة السوداء
شعرت غادة بانقباض داخل صدرها.
الاحتياج لا يختفي بهذه السرعة.
بعد ساعة، وصل إشعار العيادة إلى هاتف فهد.
ظل ينظر إليه طويلًا.
التهاب صدر.
طفلة عمرها ست سنوات.
ثلاث ليالٍ في محطة باردة.
أغلق الهاتف بقوة هذه المرة.
ثم وقف فجأة.
لدرجة أن مساعدته التفتت نحوه بسرعة.
أستاذ فهد؟
ألغِ كل اجتماعات اليوم.
تفاجأت.
لكن اجتماع المستثمرين الأمريكيين
قلت ألغيه.
لم تجادله.
لأنها رأت شيئًا غريبًا على وجهه.
توترًا لم تره من قبل.
خرج فهد من البرج الزجاجي لأول مرة دون موكب أو سائق.
قاد سيارته بنفسه وسط شوارع دبي المزدحمة.
ولم يكن يفهم تمامًا لماذا يفعل ذلك.
كان يستطيع تحويل مليون درهم لغادة وينتهي الأمر.
هذا ما يفعله عادة.
حل سريع.
بعيد.
بارد.
لكن هذه المرة
الأمر لم يعد يتعلق بالمال فقط.
وصل إلى الفندق الذي ظهرت بياناته في العمليات البنكية.
وقف في الاستقبال.
أبحث عن السيدة غادة العتيبي.
نظر موظف الاستقبال إليه بتوتر فور أن تعرف على وجهه.
لحظة أستاذ.
بعد دقائق، نزلت غادة وهي تمسك يد ليان.
وفور أن رأته، توقف جسدها بالكامل.
كأنها لم تتوقع أبدًا أن يأتي بنفسه.
أما ليان
فتشبثت بمعطف أمها فورًا.
اقترب فهد ببطء.
ثم نظر إلى الطفلة.
وجهها بدا أفضل قليلًا.
لكن الإرهاق ما يزال واضحًا.
قال بهدوء
كيف هي الآن؟
ترددت غادة قبل الرد.
أفضل الحمد لله.
ثم أضافت بسرعة وكأنها تدافع عن نفسها
أخذتها للطبيبة فقط لأن حرارتها ارتفعت أمس.
هز رأسه بهدوء.
ثم نظر نحو ليان.
هل أنتِ بخير الآن؟
حدقت به الطفلة بصمت طويل.
ثم سألت فجأة
أنت الغني؟
تجمدت غادة فورًا.
ليان!
لكن فهد رفع يده قليلًا.
وكاد يبتسم لأول مرة منذ يومين.
تقريبًا.
ظلت الطفلة تنظر إليه بتركيز طفولي صادق.
ثم قالت
ماما قالت إنك مو شرير.
شعر فهد بشيء غريب يضرب صدره مباشرة.
ليس
بل لأنه أدرك أن هذه الطفلة كانت تضع احتمال أن يكون شريرًا أصلًا.
وكأن الحياة علمتها ذلك مبكرًا.
جلسوا في مقهى هادئ داخل الفندق.
غادة طلبت قهوة عادية فقط.
أما ليان، فكانت منشغلة بالأرنب الصغير الذي اشترته بالأمس.
راقب فهد طريقة غادة وهي تنظر إلى الأسعار قبل أي طلب.
حتى الماء.
حتى القهوة.
قال فجأة
ماذا كنتِ تعملين قبل كل هذا؟
رفعت عينيها نحوه بتردد واضح.
ثم قالت
كنت موظفة استقبال في عيادة تجميل.
لم يتوقع الإجابة.
كانت تبدو له كأنها خرجت من سنوات طويلة من الفقر.
لكنها أكملت بهدوء
كان عندي شقة صغيرة وحياة عادية.
وماذا حدث؟
صمتت للحظات.
ونظرها اتجه تلقائيًا نحو ليان.
ثم قالت
والد ليان تركنا بعد ديون كبيرة باسمه وباسمي.
بقي صامتًا.
فأكملت
حاولت أشتغل أكثر من وظيفة لكن لما مرضت ليان تغيبت كثيرًا وخسرت عملي.
قالت الجملة الأخيرة ببساطة مرهقة.
بدون محاولة لكسب تعاطفه.
وهذا بالضبط ما أربكه.
لأن معظم الناس في عالمه يبالغون في شرح معاناتهم عندما يريدون شيئًا.
أما غادة
فكانت تحكي وكأنها تعبت حتى من الشرح.
نظر فهد نحو الطفلة.
كانت تضحك بهدوء مع الأرنب.
ثم سأل دون أن يشعر
لماذا لم تطلبي مساعدة من أحد؟
ضحكت غادة ضحكة صغيرة بلا فرح.
طلبت.
ثم سكتت.
لكنه فهم أن وراء الكلمة أشياء كثيرة لم تقلها.
بعد لحظات، أخرجت شيئًا من حقيبتها ووضعته على الطاولة.
بطاقته السوداء.
نظر إليها باستغراب.
انتهت الأربع والعشرون ساعة، قالت بهدوء.
يمكنكِ الاحتفاظ بها.
هزت رأسها فورًا.
لا أستطيع.
لماذا؟
نظرت نحوه مباشرة لأول مرة منذ جلسوا.
وكان التعب داخل عينيها أعمق من أي شيء آخر.
لأنني لا أريد أن أعتاد أن ينقذني أحد.
ساد الصمت بينهما.
أما ليان
فكانت في الخلفية تحاول إلباس الأرنب الصغير كمامتها الطبية الصغيرة وهي تضحك وحدها.
أخذ فهد البطاقة من
لكن أصابعه بقيت ثابتة عليها لثوانٍ.
لم يكن معتادًا أن يرفض أحد شيئًا يقدمه.
خصوصًا عندما يكون ذلك الشيء قادرًا على تغيير حياة كاملة.
أما غادة
فكانت تنظر إليه بهدوء متعب، وكأنها تحاول حماية آخر جزء بقي لها من نفسها.
قال أخيرًا
ليان ما تزال تحتاج مكانًا ترتاح فيه.
أعرف.
وأنتِ تحتاجين وقتًا حتى تقفي على قدميكِ.
خفضت عينيها قليلًا.
ثم قالت بصراحة بسيطة
الوقت صار أغلى شيء أخاف أخسره.
لم يفهم الجملة بالكامل.
لكنه شعر بثقلها.
بعد نصف ساعة، أوصلتهما سيارة الفندق إلى مبنى صغير في منطقة هادئة بدبي.
لم يكن فاخرًا.
لكنه نظيف وآمن.
وقفت غادة تنظر إلى العمارة بتردد.
ما هذا؟
قال فهد بهدوء
شقة مفروشة. شهر واحد فقط.
استدارت نحوه بسرعة.
لا.
ليس هدية.
إذًا ماذا؟
اعتبريه قرضًا إن كان ذلك يريحك.
ظلت صامتة.
ثم قالت ببطء
ولماذا تفعل كل هذا؟
نظر إلى الشارع للحظة قبل أن يجيب.
لا أعرف بعد.
وكان صادقًا.
لأن الأمر لم يعد مجرد شفقة.
ولا مجرد فضول.
شيء داخله كان يتفكك بهدوء منذ قابلها.
دخلت ليان الشقة أولًا.
ثم توقفت في منتصف الصالة الصغيرة.
كانت هناك أريكة رمادية.
طاولة طعام صغيرة.
ومطبخ مفتوح.
أشياء عادية جدًا.
لكن الطفلة دارت حول نفسها ببطء وكأنها دخلت عالمًا آخر.
ماما عندنا بيت؟
شعرت غادة بغصة مفاجئة.
لأن كلمة بيت خرجت من ليان وكأنها شيء مستحيل.
اقترب فهد من النافذة بصمت وأعطاهما المساحة.
ثم سمع صوت ليان خلفه
أستاذ فهد؟
التفت إليها.
كانت تنظر نحوه بجدية طفولية غريبة.
شكرًا لأنك خليت ماما تبطل تخاف شوي.
تجمد للحظة.
ثم نظر نحو غادة.
لكنها خفضت عينيها فورًا كأنها لم ترد أن يسمع أحد تلك الحقيقة.
في تلك الليلة، عاد فهد إلى شقته الواسعة.
دخل المكان الهادئ الذي كان يعتبره دائمًا رمز نجاحه.
لكن لأول مرة
بدا فارغًا بشكل مؤلم.
مرّ بجانب
وعشرات اللوحات المعلقة على الجدران.
والإضاءة المثالية.
كل شيء كان مرتبًا بدقة.
وكل شيء بلا روح.
فتح الثلاجة.
ممتلئة بالطعام الذي لا يأكله.
ثم تذكر ليان وهي تسأل إن كان مسموحًا لها فعلًا بالنوم
متابعة القراءة