دفنت سرّه تحت شجرة الليمون 30 سنة… لكن ما اكتشفته أمينة دمّر كل شيء
أمينة شعرت أن قلبها توقف للحظة.
أبو علي مات قبل خمسة عشر سنة.
كيف كان يعرف أن هذا اليوم سيأتي؟
أما الرجل صاحب السيارة السوداء فبدأ يقترب منهم ببطء.
تفضلي أمينة هانم الوقت يمر.
لكن أمينة رفعت رأسها فجأة ونظرت إلى علي.
تعال معي إلى البيت.
ارتبك علي.
الآن؟!
حالًا.
الرجل ضيّق عينيه وهو ينظر إلى علي.
ما هذه التصرفات يا أستاذ علي؟
كان واضحًا أن علي يخاف منه أكثر مما يخاف من أمه.
ركبوا سيارة أجرة قديمة، وكان صوت المكيّف الضعيف يملأ الصمت بينهم.
أمينة بقيت تنظر من النافذة طوال الطريق.
كل شارع تمرّ به كان يذكّرها بشيء من عمرها مع أبو علي.
المخبز الذي كان يشتري منه الخبز كل صباح.
الصيدلية التي وقف أمامها ليلة مرض علي وهو طفل.
حتى الشارع القريب من البيت تذكّرت فيه اليوم الذي عاد فيه أبو علي وهو يحمل شتلة الليمون الصغيرة التي زرعها بيده داخل الحوش.
أما علي فكان يجلس بجانبها شاحب الوجه، يضغط أصابعه ببعضها دون توقف.
كل بضع ثوانٍ كان يرفع عينيه نحو أمينة، ثم يعيد النظر إلى الطريق بسرعة.
وكأنه يريد أن
حتى سائق السيارة بدأ يراقبه من المرآة الصغيرة باستغراب.
وأول ما دخلت أمينة البيت، ضربتها رائحة الليمون بقوة.
الشجرة كانت ما تزال في مكانها.
كبرت أكثر، والتوى جذعها قليلًا، لكنها بقيت واقفة كما تركها أبو علي.
دخلت أمينة المخزن القديم ببطء، وأخرجت المجرفة التي كان أبو علي يستخدمها دائمًا في الحديقة.
الخشب في المقبض كان متآكلًا من كثرة ما أمسكه بيديه.
وقفت تحت الشجرة للحظة.
مدّت يدها ولمست جذعها القديم ببطء.
كم مرة جلست تحتها مع أبو علي في ليالي الصيف.
وكم مرة لعب علي حولها وهو طفل صغير.
حتى آخر أيام مرضه كان أبو علي يخرج كل صباح ليسقيها بنفسه.
أغمضت أمينة عينيها للحظة.
ثم بدأت تحفر.
ضربة أولى.
ثم ثانية.
وصوت المجرفة وهي تشق التراب كان يزيد خوف علي أكثر مع كل ثانية.
علي كان يراقبها بخوف.
ماذا تفعلين؟
أبوك ترك لي شيئًا.
تجمّد مكانه.
بقي يراقبها بصمت.
وعيناه تنتقلان بين أمينة والشجرة وكأنّه يعرف ما الذي سيخرج من تحتها.
لأول مرة منذ خرجوا من دائرة التسجيل
وبعد دقائق
توقفت أمينة فجأة.
صوت مختلف خرج من تحت التراب.
صوت حديد.
رفعت رأسها نحو علي بسرعة.
أما هو فازداد وجهه شحوبًا فورًا.
ثم أعادت ضرب الأرض مرة ثانية.
واصطدمت المجرفة بشيء معدني واضح هذه المرة.
نزلت أمينة على ركبتيها بسرعة، وأخرجت صندوقًا حديديًا أحمر مغطى بالتراب.
كانت يداها ترتجفان وهي تفتحه.
في داخله كان هناك ملف وذاكرة إلكترونية صغيرة وصورة ثانية لأبو علي.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في أول ورقة.
إقرار نسب.
اتسعت عينا أمينة.
وبدأت تقرأ.
الكلمات كانت تخنقها حرفًا حرفًا.
أُقرّ أنا عبد الكريم السامرائي أن علي ليس ابني من صلبي.
شعرت أن الدنيا أظلمت أمامها.
أما علي فتراجع خطوتين إلى الخلف.
وكأن الكلمات دفعته بعيدًا بالقوة.
يده اصطدمت بالحائط خلفه.
وعيناه بقيتا معلقتين بالورقة وكأنّه كان يخاف من هذه اللحظة طوال عمره.
لا يمّه لا تكملين!
لكنها أكملت.
أبو علي كان يعرف منذ أكثر من ثلاثين سنة أن علي ليس ابنه الحقيقي.
كان يعرف أن أمينة أخطأت في شبابها مع رجل خدعها قبل
لكن أبو علي قرر أن يسترها.
كتب بخطه أنه سامحها، وربّى علي كابنه طوال عمره، لكنه كتب أيضًا
إذا خان علي الأمانة يومًا يجب أن تعرف أمينة الحقيقة.
شعرت أمينة أن ساقيها لم تعودا تحملانها.
الورقة سقطت من يدها فوق التراب.
حاولت أن تتنفس، لكن الهواء أصبح ثقيلًا بشكل مؤلم.
ثلاثون سنة من عمرها مرّت أمام عينيها دفعة واحدة.
ضحكة أبو علي.
مرضه الأخير.
ليلة ولادة علي.
كل شيء اختلط داخل رأسها.
ثم سقطت على الأرض ببطء.
ركض علي نحوها وهو يبكي.
والله كنت أحبّه والله كنت أعتبره أبي الحقيقي!
لكنها أبعدته عنها بقوة.
كانت تنظر إليه وكأنها تراه للمرة الأولى.
نفس الوجه الذي سهرت عليه وهو مريض.
نفس اليدين اللتين تعلّمتا المشي وهي تمسكهما.
لكن شيئًا داخله كان غريبًا عنها الآن.
وأنت كنت ستبيعني يا علي؟
انهار وهو يمسح دموعه.
لم يكن عندي حل الرجل سيدمرني! أنا مديون له بمبلغ كبير!
نظرت إليه بصدمة.
إلى هذه الدرجة؟!
وفي تلك اللحظة انفتح باب البيت بعنف.
دخل
امتلأ البيت فجأة بذلك التوتر البارد الذي يسبق الكارثة.
حتى