حيدر دخل حياتي مثل الرجل الحنون… وخرج منها بعدما انكشف السبب الحقيقي لزواجه مني

لمحة نيوز

قبل لا أگدر أنطق، دخلت حماتي وهي شايلة جنطة الخوص الكبيرة، بس هالمرة مو بيها طُرشي وبرطمانات.

كانت حاطة بيها ملابس حيدر وملابسها.

طلت علي من فوق لتحت وقالت:

— يلا يمّه… خلي فلوس أمها تنفعها. الذهب اللي بإيدها وحده يجيب قطعة أرض، ومستكثرة عليك جم فلس. باچر تندم يا بنت…

وسكتت.

طلعوا.

وقفلوا الباب وراهم بقوة هزت جدران الشقة الإيجار اللي ساكنين بيها.

قعدت بالأرض أبچي لحد ما ورمت عيوني.

بقيت ضايعة بين نارين.

نار خراب بيتي وأنا بعدني بأول زواجي.

وكلام الناس اللي ما يرحم.

ونار إني أخون وصية أمي اللي ماتت وهي متطمنة إني راح أحافظ على تعبها.

دخلت غرفة النوم.

فتحت الدولاب، وطلعت علبة المخمل الحمراء.

فتحتها وطليت على السوارين الذهب القدام الثقال.

مسكت وحدة منهم ورفعتها باتجاه الضوء حتى أشوف رسمة الوردة الصغيرة المحفورة من الداخل.

وأنا أطالع… تذكرت شيء.

تذكرت إن حيدر كان دائمًا مركز على هالسوارين.

وتذكرت يوم زينب طلت على معصمي.

ويوم گال بالمطبخ: “ومرته هم ساعدته”.

فجأة…

حسّيت بوخزة بقلبي.

أكو شيء غلط.

حيدر مدرس لغة عربية، وراتبه على گده.

إي نعم وقف بالبرد وجاب ورد… بس شلون عرف إن أمي تاركتي ٩ ملايين دينار بالضبط؟

أنا أصلًا ما گلتله الرقم.

كل اللي گلته إن أمي تاركتلي قرشين للزمن.

شريط الذكريات رجع بسرعة.

أيام مرض أمي، حيدر كان محتفظ بتقاريرها الطبية وصورها على تلفونه.

وكان يدخل للدكتور وحده بحجة إنه يفهم بهالسوالف.

وبالأيام الأخيرة، لما أمي صار يختلط حچيها من المسكنات والكيماوي، كان يقعد وياها ساعات وأنا نازلة أجيب دوا أو أسوي شيء بالمطبخ.

مسكت تلفوني وإيدي ترتجف، واتصلت بأبو كرار، بواب عمارة أمي الله يرحمها.

— ألو… أبو كرار؟

— أهلين يمّه… الله يرحم الوالدة.

— آمين… أريد أسألك على شيء. حيدر كان يجي لشقة أمي وحده بالفترة الأخيرة؟

سكت شوي.

بعدها گال بتردد:

— والله يا بنتي ما أريد أسوي مشاكل… بس الأستاذ حيدر إجا أكثر من مرة وهي تعبانة، وكان يكلي عنده أوراق خاصة بالراتب التقاعدي لازم يخلصها. وحتى مرة شفته نازل شايل كيس أسود صغير، ولمن سألته گال أشعة قديمة ونريد نرميها.

الكيس الأسود.

ذاك الكيس كان بيه أوراق حسابات أمي بالمصرف وكل مستنداتها.

يعني عرف كل شيء من وراي.

وخَطّط لكل شيء… هو وأمه وأخته.

دموعي نشفت فجأة.

وحل مكانها غضب بارد.

نزعت السوار من إيدي، ورجعته للعلبة.

وقررت إني ما أكون الضحية.

حيدر ما كان يحبني.

حيدر كان ينتظر أمي تموت حتى يوصل لفلوسها من خلالي.

ثاني يوم الصبح، لبست أحسن عباية عندي، وحطيت روج خفيف حتى ما تبين كسرتي، ورجعت للمصرف.

قابلت نفس الموظف.

وربطت الـ ٩ ملايين شهادة ثلاث سنوات باسمي.

وسويت تعليمات مشددة إن ما يصير أي سحب أو كسر للشهادة إلا بحضوري الشخصي وبصمة إيدي.

بعدها مباشرة، رحت لمحامي محترم من طرف

قريب إلنا، وحكيتله كل شيء.

— أستاذ… أريد أرفع قضية خلع، وما أريده يلمس دينار واحد من حقي، وأريد قائمة أثاثي كاملة.

ابتسم المحامي بهدوء وقال:

— لا تشيلين هم. دام كل شيء باسمج، وحقوقج مثبتة، محد يگدر ياخذ منج شيء. والخلع ياخذ كم شهر وتصيرين حرة.

مرّ أسبوعين.

حيدر افتكر إن البعد كسرني.

وبعد أسبوعين كاملين من الصمت، وصلني منه أول اتصال.

ما رديت.

خليت التلفون يرن لحد ما سكت وحده.

بعدها بدقيقة إجتني رسالة واتساب منه.

“أنتظر ردج يا زهرة… الأرض راح تضيع، والفرصة ما تتكرر. إذا رجعتي لعقلج، أنا وأمي نجي ناخذج.”

طليت على الرسالة طويلًا.

نفس الأسلوب الهادئ.

نفس النبرة اللي كان يعرف يدخل بيها لعقلي بهدوء.

ولا كلمة اعتذار.

ولا كلمة عن اللي صار بالمصرف.

ولا عن تهديده بالطلاق.

كل همه الأرض… والفلوس.

حسّيت بشي داخلي انكسر نهائيًا بهاللحظة.

مو لأنني انصدمت منه…

لا.

لأنني استوعبت أخيرًا إن الرجل اللي بكيت عليه يوم ترك البيت، ما كان موجود أصلًا.

حيدر اللي وقف ساعتين تحت المطر، وحيدر اللي كان يشيل تقارير أمي الطبية، وحيدر اللي كان يضمني بالمطبخ وريحتة نعناع… كلهم كانوا نفس الشخص اللي خطط يعرف قيمة تحويشة أمي من وراي.

رجعت فتحت علبة المخمل الحمراء.

السوارين كانوا بمكانهم.

لمعتهم الصفراء القديمة انعكست على ضو الغرفة الخافت.

مررت إصبعي على نقشة الوردة الصغيرة المحفورة من الداخل.

وفجأة

تذكرت أمي وهي على سرير المستشفى.

إيدها كانت باردة جدًا وهي تضغط على إيدي وتكلي:

— الزمن مو دايم يا بنتي… والناس تتغير من أجل الفلوس أسرع مما تتخيلين.

وقتها افتكرت كلامها خوف أم مريضة فقط.

بس هسه فهمت.

أمي ما كانت خايفة على الفلوس…

كانت خايفة عليّ أنا.

رفعت تلفوني بهدوء.

فتحت المحادثة.

وردّيت عليه بكلمتين فقط.

وأرفقت صورة شهادة المصرف… وصورة دعوى الخلع.

“الشهادة انربطت… والخلع انرفع. وأنتظرك بالمحكمة يا أستاذ اللغة العربية حتى نطلق… بالهداوة.”

ظل الخط أونلاين أكثر من دقيقة.

شاف الرسالة.

وشاف الصور.

بس ما رد.

ولا حتى كتب كلمة.

بعدها بخمس دقائق، إجاني اتصال من حماتي.

تركت التلفون يرن.

وراه اتصال ثاني.

وثالث.

وبعدين رسالة صوتية طويلة.

ما فتحتها.

لأول مرة من شهور، ما حسّيت بالخوف منهم.

ولا من كلام الناس.

ولا من فكرة الطلاق.

قمت من مكاني، فتحت الشباك.

هواء الليل دخل بارد على وجهي.

الشارع كان هادئ، وصوت مولدة بعيدة يطلع ويختفي.

نظرت للشقة الفارغة.

للكرسي اللي كان يقعد عليه حيدر.

للكوب اللي نسيه يوم طلع.

حتى رائحة عطره الخفيفة كانت بعد موجودة بالممر.

بس الغريب…

إني ما بكيت.

كل الدموع خلصت من يوم عرفت الحقيقة.

بهديك اللحظة فقط فهمت معنى كلام أمي:

“الدفا مو بأي حضن… الدفا بالأمان.”

وحيدر عمره ما كان أمان.

كان مجرد رجل خاف من الفقر أكثر مما حبني.

ورجل سمح

لأمه تدخل بينه وبين زوجته… لحد ما صار يشوفني مجرد طريق لفلوس مو أكثر.

من ذاك اليوم، عرفت إن الدفا اللي كنت أبحث عنه مو بحضن رجل طمعان.

الدفا الحقيقي هو إني أحافظ على نفسي…

وأحافظ على تعب أمي اللي تركته حتى يحميني من غدر الزمن…

وغدر الناس.

تم نسخ الرابط