حيدر دخل حياتي مثل الرجل الحنون… وخرج منها بعدما انكشف السبب الحقيقي لزواجه مني
الدم تجمّد بعروقي، وحسّيت المصرف كله يدور بيّ.
الموظف اللي ورا المكتب نزّل نظارته الطبية لطرف خشمه، وطالعني بفضول ينتظر كلمة مني، والأوراق اللي توّي مكملتها بإيدي بعده ماسكها.
طليت على حيدر بذهول.
كان واقف بنفس وجهه الهادئ المرتب، ونظارته السوداء اللي تغطي نص ملامحه، بس النظرة اللي ورا الزجاج ما كانت النظرة الحنونة القديمة.
كانت نظرة باردة.
نظرة واحد مرتّب كل شيء وحاسم القرار بدالي.
وجنبه حماتي، واقفة لافة طرحتها الغامقة بإحكام، ومثبتة إيدها على جنطة الخوص، وعينيها تلمع بانتصار مستفز… كأنها تكلي ماكو شيء راح يختفي علينا يا زهرة.
— حيدر! شتحچي إنت؟ أسحب شنو؟ هاي الفلوس تعب أمي، وأنا جاية أربطها شهادة مثل ما وصّتني وهي تموت!
صوتي طلع مخنوق، يطلع بالعافية من الصدمة.
حماتي تقدمت خطوة، ولزگت بكتف ابنها، وقالت بنبرتها الثقيلة اللي كانت دائمًا تتعمد بيها تبين نفسها أوصى مني:
— شبيج يا عروستنا؟ هو الأستاذ غريب يعني؟ هذا زوجج وسندج. والفلوس إذا تبقى بالمصرف، الدنيا تاكل قيمتها.
— أنا ما خبيت!
صرخت، وانتبهت إن صوتي علا بصالة المصرف.
الناس بدت تطالع علينا.
الموظف تنحنح وقال ببرود مهني:
— جماعة لو سمحتوا، ماكو داعي للصوت العالي. الحساب باسم المدام، وهي وحدها إلها حق السحب أو الربط. قرري شتريدين وأبلغيني حتى أكمل الإجراءات.
حيدر اقترب مني.
حط إيده على كتفي بنفس الحنية القديمة اللي خلتني يوم أوافق عليه.
نفس ريحة معجون النعناع.
ونفس النبرة الهادئة اللي تطلع بهدوء غريب.
— حبيبتي… امسحي دموعج وصلي عالنبي. أمج الله يرحمها كانت من جماعة الزمن القديم، ما تعرف بالسوق والتجارة. الـ ٩ ملايين إذا تنحط شهادة، السنين تاكلها. أنا لكيت قطعة أرض صغيرة بطرف الأعظمية، صاحبها مزنوگ ويريد يبيع بسرعة. نشتريها ونسوي عليها مخزن ونأجره لشركة نقل. بسنة وحدة الفلوس ترجع دبل. أنا مو طمعان بشي إلج يا زهرة… بس خايف على
كلامه كان مثل البنج.
يخدّر العقل.
بس قلبي كان يرفض.
تذكرت علبة المخمل الحمراء اللي نايمة بدولابي.
وتذكرت عيون أمي وهي تكلي:
— لا تمدين إيدج عليها… لا إنتِ ولا غيرج.
مسحت دموعي بطرف طرحتي وگلت:
— ما راح أسحب يا حيدر.
وبعدها طليت على الموظف:
— كمل الإجراءات أستاذ… اربط الفلوس شهادة ثلاث سنوات، والعائد ينزل بالحساب.
وجه حيدر تغيّر بثانية.
المدرس الهادئ الرزين اختفى.
طلع مكانه رجل ثاني.
عروق جبينه برزت من تحت النظارة، وصوته نزل واطي… بس كان مثل فحيح:
— لهالدرجة يا زهرة؟ تكسرين كلامي قدام أمي وقدام الغريب؟ تفضلين كلام وحدة ميتة على مصلحة الريال اللي عايش وياج؟
حماتي سحبت إيده بسرعة وقالت بغل واضح:
— اتركها يا وليدي… اتركها. شكلها شايفتنا جايين نسرقها. يلا بينا… والبيت يجمعنا.
مرّت ثلاثة أيام على خناقة المصرف.
ثلاثة أيام والبيت مثل القبر.
حيدر ما يحاچيني.
يرجع من المدرسة، يبدل ملابسه، ياكل الأكل اللي تسويه أمه من وراي، ويروح
وحماتي ما بطلت دندنة الأغاني الحزينة وصوت الهاون من الفجر، كأنها تعاقبني لأنني موجودة.
زينب ما إجت البيت، بس كانت تلمّح إلي بمنشورات بالفيسبوك عن الزوجة الأصيلة والمرأة اللي توقف يم زوجها بأزمته.
بالليلة الرابعة، كنت جالسة وحدي بالصالة، أهوّي على نفسي، والجو خانگ وحار.
طلع حيدر من الغرفة، وطالعني بنظرة فارغة من أي شعور، وقعد بالكرسي المقابل إلي.
— زهرة… فكرت هواي باللي صار.
گالها وهو ينزع نظارته ويمسحها بياقة قميصه.
گلت بهدوء متعب:
— أتمنى تكون فهمتني يا حيدر… أنا مو قصدي أوقف بطريقك. بس هاي وصية أمي، وأنا ما أگدر أخون تعبها.
هز رأسه ببطء.
— تمام… وصية أمج فوق راسي. بس الزواج هم إله أصول. إنتِ شايفة إن الفلوس إلج وحدج، وإنه ما إلي كلمة عليج. وطالما ما إلي كلمة… فهاي العيشة ما إلها معنى.
سكت شوي، بعدها كمل:
— راح أترك لج البيت كم يوم… تفكرين بيهم زين. يا تطلع الفلوس وندخل بالأرض، يا كل واحد يروح بطريقه. أنا ما أعيش ويا مرة مو مأمنتلي.
الكلام نزل علي
طلاق؟
حتى بسبب ٩ ملايين دينار؟
لهالدرجة كنت رخيصة عنده؟
وين أيام البرد والمطر؟
وين الحنية والعِشرة؟