أعطيتُ سيارتي لحماي وحماتي ليتفسحوا بها… وبعد دقائق انهار زوجي وهو يصرخ: “الفرامل مقطوعة!”
— الخط انقطع والسيارة كانت تسرع بيهم… أتمنى من رب العالمين يعيشون حتى تعيش طول عمرك حامل ذنب إنك كنت السبب بقتل أمك وأبوك بطمعك وقذارتك!
وأغلقت الخط بوجهه.
بعد حوالي عشر دقائق، بدأت السيارات تتوقف والطريق يختنق.
السائق قال:
— شكل أكو حادثة گدام… الطريق كله واقف.
قلبي سقط.
فتحت الباب ونزلت أجري بين السيارات.
كنت أركض والنفس يقطع صدري، حتى وصلت لمنطقة الحادث.
تجمع كبير.
إسعافات.
شرطة.
والطريق مغلق بالكامل.
دفعت الناس بكل قوتي وأنا أصرخ:
— أبويه وأمي جوه! خلوني أمر!
ولما وصلت…
رأيت المنظر الذي جعل ركبتي تخوناني وأسقط على الأرض.
سيارتي السوداء كانت مرتطمة بالحاجز الخرساني.
مقدمتها مدمرة بالكامل.
والدخان يخرج من المحرك.
لكن الكابينة لم تتحطم بالكامل.
واضح أن أبو سيف استخدم خبرته القديمة، وحك السيارة بالحاجز حتى يخفف سرعتها قبل الاصطدام الكامل.
ركضت نحو المسعفين وهم يحملون شخصين على النقالات.
نظرت إلى الوجوه.
كانت أم سيف وأبو سيف.
وجوههم مليئة بالدم والجروح.
أبو سيف فاقد الوعي.
لكن أم سيف كانت تفتح عينيها بصعوبة وتتأوه من الألم.
صرخ بي أحد
— تقربين إلهم يا مدام؟
قلت وأنا أنهار:
— أنا بنتهم… عايشين؟ أرجوك طمني!
قال بسرعة وهو يدخل النقالة إلى سيارة الإسعاف:
— النبض موجود. أكو كسور وارتجاج، بس الحمد لله لحقناهم قبل ما السيارة تنفجر أو تنقلب من فوق الجسر… اركبي بسرعة.
في تلك اللحظة، رأيت سيارة سيف تتوقف على الجهة الثانية من الطريق.
نزل منها كالمجنون.
شعره منكوش.
وجهه أصفر.
وعيناه مليئتان بالرعب.
أول ما رأى الإسعافات ورآني، ركض نحوي وهو يصرخ:
— أبويه! أمي!
لكن قبل أن يصل للنقالات، وقفت أمامه.
نظرت له بنظرة لم أنظرها له طوال حياتي.
نظرة كلها قرف وكراهية.
مد يده نحوي وهو يبكي:
— نور… همّه زينين؟ كوليلي إنهم عايشين!
سحبت يدي منه بقوة وصفعته.
الصفعة دوّت بالمكان كله.
— لا تلمسني يا قذر! لا تجيب سيرتهم بلسانك! إنت مو ابنهم… إنت شيطان!
تجمد مكانه.
والناس والشرطة بدأوا يقتربون حولنا.
في تلك اللحظة، اقترب ضابط التحقيق وسألني:
— شنو اللي صاير؟ مين هذا؟ وشصار بالضبط؟
نظرت إلى سيف.
رأيت بعينيه رجاءً مذعورًا حتى لا أتكلم.
خوفًا من الفضيحة والسجن.
لكن لم يبق داخلي أي رحمة له.
هذا
وبسببه كاد أقرب الناس إليّ يموتون.
أشرت إليه بإصبعي وقلت بصوت واضح:
— هذا زوجي… وهو اللي دبّر الحادثة! هو اللي خرب فرامل سيارتي وقصّ الخراطيم البارحة حتى يقتلني أنا… لكن رب العالمين خلّى أبوه وأمه ياخذون السيارة بدلًا مني، ووقع بشر أعماله! وأنا أتهمه رسميًا بالشروع بقتلي وقتل أبويه!
ملامح الضابط تغيرت فورًا.
نظر إلى سيف الذي كان واقفًا كالصنم.
ثم فجأة سقط على ركبتيه وبدأ يبكي بشكل هستيري:
— ما كنت أقصدهم… والله ما كنت أريد أموتهم همّه… يمّه سامحيني… بوية سامحني…
أشار الضابط للعناصر:
— خذوه… والسيارة تروح للفحص الفني فورًا.
قيّدوا يدي سيف.
وكان ينهار بالكامل.
نظر لي نظرة أخيرة مليئة بالضياع والندم.
لكنني أدرت وجهي عنه وركبت سيارة الإسعاف بجانب أم سيف وأبو سيف.
وتركته يواجه مصيره الذي صنعه بيده.
مرت الأيام والأسابيع.
أبو سيف وأم سيف بقوا فترة في العناية المركزة، ثم نُقلوا لغرفة عادية.
رب العالمين كتب لهم عمرًا جديدًا.
الكسور بدأت تلتئم بالتدريج.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن الحادث.
الصدمة كانت الحقيقة.
حقيقة أن ابنهما الوحيد كان
وأن الطمع أعمى قلبه بالكامل.
أنا لم أتركهما لحظة واحدة في المستشفى.
كنت أخدمهما وأساعدهما بكل شيء.
وكانا ينظران لي بدموع ووجع.
أبو سيف دائمًا يمسك يدي ويقول:
— سامحينا يا بنتي… إحنا فشلنا بتربيته.
فأقبّل يده وأقول:
— إنتوا ما لكم ذنب… سيف اختار طريقه بنفسه، ورب العالمين نجاكم لأنكم ناس طيبين.
أما سيف…
فالتقرير الفني أثبت أن خراطيم الفرامل مقطوعة بآلة حادة عمدًا.
والشرطة وجدت الأدوات داخل صندوق سيارته الثانية وعليها بصماته.
حتى تسجيل المكالمة بيني وبينه، الذي اعترف فيه بكل شيء، صار دليلًا ضده.
أما رنا…
البنت التي أراد الزواج بها…
فأول ما عرفت بالقضية اختفت بالكامل، وحظرته من كل مكان، لتثبت له أنها لم تكن تريد سوى أمواله.
صدر الحكم عليه بالسجن الطويل بتهمة الشروع بالقتل العمد مع سبق الإصرار.
وفي يوم الحكم، عرفت أنه كان واقفًا وحده داخل القفص.
لا زوجة.
لا أهل.
لا حبيبة.
خسر كل شيء بسبب طمعه.
أما أنا…
رفعت قضية طلاق وأخذت حقوقي كاملة.
ورجعت لشغلي وحياتي.
لكن هذه المرة، وأنا أملك عائلة جديدة.
أبو سيف وأم سيف أصرّا أن أبقى معهم.
وصرت أنا ابنتهم الحقيقية التي ترعى شيبتهم.
وصاروا هم الأمان الذي بقي لي من الدنيا.
وتعلمت أن الإنسان عندما يحفر حفرة لغيره… قد يسقط فيها هو أولًا.
وأن رب العالمين قد يمهل الظالم، لكنه لا يترك الظلم يمر بلا حساب.