ابنتي كانت تنام تحت طاولة المطبخ… حتى اكتشفتُ ماذا كانت تخبئ داخل دميتها القديمة.
أرجلها المائلة، ومفرشها البلاستيكي المورّد.
لم تعد هناك طفلة مختبئة تحتها.
فقط غبار، وكرية زجاج صغيرة ضائعة، وظل شيء لم يكن يجب أن يحدث أصلًا.
اقتربت أم حسين مني عندما عبرت الساحة.
همست
سامحيني يا أمينة كنت أسمع أشياء أحيانًا، لكنني ظننتها مشاكل زوجية.
نظرت إليها.
لم أعد أملك مكانًا في داخلي للكراهية.
قلت
لم تكن مشاكل زوجية كانت طفلة تطلب النجدة.
غطت أم حسين فمها وبدأت تبكي.
في تلك الليلة نمنا في بيت خالتي أم سيف، في الكرادة.
كان بيتها قديمًا، بجدران سميكة، وساحة صغيرة، وأصص ريحان ونعناع قرب الباب.
اختارت جنى أن تنام بين الحائط وفراشي.
ليس تحت الطاولة.
وليس بعد فوق سرير كامل.
لكن تنفسها كان مختلفًا.
أعدّت خالتي حليبًا بالقرفة، وعملت لنا خبزًا حارًا مع الجبن.
وفي الخارج كانت أصوات السيارات البعيدة، ونباح الكلاب، وضوء عمود الكهرباء الأصفر يدخل من الشباك.
سألت جنى
ممكن يجي؟
قلت
لا يحق له أن يقترب.
همست
لكنه قد يحاول.
ضممتها إليّ.
نعم قد يحاول. لكننا لم نعد وحدنا.
سكتت قليلًا.
ثم أخرجت دميتها القديمة من الحقيبة.
كان ظهرها ما يزال مفتوحًا، وبعض القطن يخرج من الخياطة.
رأتها خالتي، فأحضرت
وقالت
الندوب لا تُخفى تنخاط جيدًا فقط.
ظلت جنى تراقبها وهي تخيط دون أن ترمش.
في اليوم التالي حاول سامي الاتصال أكثر من عشرين مرة.
ثم اتصلت أمه.
ثم وصلت رسالة من رقم غريب
فكري جيدًا. الناس لن يصدقوك عندما يعرفون حقيقتك.
هذه المرة لم أمسح الرسالة.
احتفظت بها.
وسلمتها للموظفة.
وخلال الأسابيع التالية أصبحت حياتي بين المعاملات والخوف.
من المدرسة إلى مركز الحماية.
ومن عملي إلى جلسات جنى النفسية.
تعلمت أن أحمل نسخة من كل ورقة داخل ملف أزرق، وألا أترك هاتفي بعيدًا حتى وأنا أغسل الصحون.
وتعلمت أيضًا أن طفلتي تستطيع العودة بالتدريج.
توقفت عن قضم أظافرها أولًا.
ثم بدأت ترسم وردات صغيرة على دفاترها.
وفي يوم طلبت مني سندويشة فلافل من السوق وأكلتها كاملة، والطحينة تسيل على أصابعها، بجدية جعلتني أبتسم لأول مرة منذ وقت طويل.
لكن الطمأنينة لا تأتي دفعة واحدة.
في عصر أحد الأيام، ونحن خارجتان من المدرسة، رأيت سامي على الجهة المقابلة من الشارع.
جنى رأته أيضًا.
تجمدت.
كان يرتدي قميصًا نظيفًا، وشعره مرتب، ويحمل كيس كليجة بيده.
كان يبدو كرجل طيب ينتظر عائلته.
يبتسم كأن لا أوامر حماية ضده، وكأن التسجيلات غير موجودة، وكأن طاولة المطبخ لم تتحول يومًا إلى مخبأ لطفلة خائفة.
قال
أمينة أريد فقط أن نتكلم.
كانت المعلمة هناء خلفنا، فتقدمت ووقفت بجانبي.
شعرت أن ساقيّ ضعيفتان.
اختبأت جنى خلفي وبدأ تنفسها يتسارع.
وصدر صوت خفيف من كيس الكليجة عندما ضغطه سامي بيده.
قلت
لا يحق لك الاقتراب.
لا تفتعلي مشهدًا أمام البنت.
الجملة نفسها.
القفص نفسه.
لكن جنى تكلمت.
خرج صوتها صغيرًا ومرتجفًا لكنه خرج.
أنت قلت إن لا أحد سيصدقنا.
نظر إليها بغضب حاول إخفاءه متأخرًا.
أميرتي أنتِ لا تفهمين.
أمسكت جنى قميصي بقوة.
لا تقل لي هكذا.
كانت المعلمة هناء قد بدأت تتصل.
وبائع شاي قريب توقف ينظر إلينا.
وإحدى الأمهات أخرجت هاتفها.
رأى سامي الهواتف، والوجوه، والشارع الممتلئ بالشهود وللحظة ظهر الرجل الحقيقي خلف صورة الزوج المحترم.
همس
ستندمين يا أمينة.
لكن هذه المرة الجميع سمعه.
وصلت الدورية بسرعة.
حاول سامي أن يقول إن الأمر مجرد سوء فهم، وإنني متوترة، وإنه فقط أحضر الكليجة.
قال إن الطفلة لا تعرف الفرق بين الخوف والدلال.
عندها فتحت جنى حقيبتها.
وأخرجت الهاتف القديم.
أمسكته بكلتا يديها.
وقالت
صوته موجود هنا.
لم تحتج حتى أن تشغل التسجيل.
الجملة وحدها كانت كافية.
خفض سامي نظره لأول مرة.
ومنذ ذلك اليوم تغيّر شيء.
ليس لأنه أصبح جيدًا بل لأنه لم يعد يتحرك في حياتنا كأنه صاحبها.
تشدد أمر الحماية، واستمرت الشكوى، وعرفت المدرسة أن لا أحد يستطيع أخذ جنى غيري أنا أو خالتي أم سيف.
وبعد أشهر، عندما امتلأت بغداد بزينة العيد، طلبت جنى أن نخرج.
مشينا بين الأضواء، ورائحة القهوة، وأصوات الباعة، والأطفال الذين يركضون قرب المحلات.
ثم أمسكت يدي فجأة.
وقالت
ماما هل البيت يمكن أن يعود طبيعيًا بعد الخوف؟
شعرت بعقدة في حلقي.
فكرت بالطاولة.
وبالدمية المخيطة بالخيط الأزرق.
قلت
نعم لكن أحيانًا يجب أن نغادر حتى نبني بيتًا جديدًا.
في تلك الليلة، وضعت جنى حقيبتها قرب الفراش.
ليس تحته.
بقربه فقط مثل أي طفلة لديها مدرسة صباحًا.
كانت الدمية فوق الوسادة، وندبتها الزرقاء ظاهرة للأعلى.
أطفأت الضوء.
ولأول مرة منذ شهور لم تسأل جنى إن كان الباب مغلقًا.
همست فقط
ماما.
نعم يا روحي؟
اليوم أقدر أنام.
بقيت مستيقظة قليلًا أسمع تنفسها الهادئ.
كانت طاولة خالتي في الجهة الأخرى من الغرفة، فوقها مفرش نظيف وفنجانان
لم تعد تبدو مخبأ.
لم تعد تبدو خندقًا.
كانت فقط طاولة.
وابنتي أخيرًا لم تعد تحتاج أن تختبئ تحتها حتى تشعر بالأمان.