ابنتي كانت تنام تحت طاولة المطبخ… حتى اكتشفتُ ماذا كانت تخبئ داخل دميتها القديمة.

لمحة نيوز

كانت الورقة رسمة مرسومة بألوان شمعية سوداء وحمراء.
في البداية لم أفهم ما الذي أنظر إليه.
كانت هناك طاولة، وطفلة تحتها، وحقيبة مضغوطة إلى صدرها، وباب مفتوح في آخر الغرفة. أمام الباب، رسمت جنى سامي بذراعين طويلتين طويلتين أكثر من اللازم، كأنه يستطيع الوصول إلى أي أحد من أي زاوية في البيت.
وفي الأعلى كتبت بحروف متعرجة
هو قال اليوم ما نرجع سوا.
شعرت أن الصف كله يسقط فوق رأسي.
ماذا يعني هذا؟ سألت، رغم أن جسدي كان يعرف الإجابة قبل لساني.
أخذت المعلمة هناء نفسًا عميقًا.
جنى سمعت حديثًا آخر البارحة. زوجك كان يتكلم مع شخص عبر الهاتف. قال إنك بعد الاجتماع ستكونين مشوشة، وإنه يستطيع أن يأخذك لترتاحي عند أمه في الدورة والبنت تبقى وحدها بمكان ثاني.
كلمة وحدها شقت صدري.
بيت حماتي في الدورة كان معروفًا بالنسبة لي الأزقة الضيقة، والأصص المعلقة أمام الباب، وصوتها الناعم أمام الناس والحاد عندما نبقى وحدنا.
هناك الجميع يعرف سامي.
هناك سأصبح أنا المجنونة، والناكرة للجميل، والمرأة التي لم تعرف كيف تحافظ على زوج محترم.
قلت
أنا لن أرجع.
لم تبدُ الجملة شجاعة.
بدت بالكاد حيّة.
أغلقت المعلمة الملف ونظرت إليّ كما يُنظر إلى شخص سيعبر شارعًا مغمض العينين.
إذًا لا ترجعين وحدك. ولا تخبرينه.
كانت جنى في مكتبة المدرسة، جالسة قرب النافذة. حقيبتها فوق ساقيها وقدماها لا تصلان إلى الأرض.
وعندما رأتني لم تركض نحوي.
نظرت أولًا إلى وجهي كأنها تبحث إن كنت أخيرًا صدقتها.
وهذا أكثر شيء كسرني.
ركعت أمامها.
سامحيني يا روحي.
امتلأت عيناها بالدموع.
سمعتي التسجيل؟
هززت رأسي.
لم أستطع قول أي شيء آخر.
تركت جنى

الحقيبة وعانقتني بقوة حتى شعرت بعظامها الصغيرة بين ذراعيّ. كانت تكرر
ماما ماما
كأنها ظلت وقتًا طويلًا تبحث عني.
مررت يدي على شعرها ووعدتها أن هذه الليلة لن تنام تحت أي طاولة.
اتصلت المديرة بخط مساعدة.
ثم تحدثت مع موظفة حماية اجتماعية، ومع امرأة شرحت لنا بهدوء، دون أحكام، أننا نستطيع الذهاب إلى مركز حماية الأسرة والطفل.
كنت أسمع كلمات كانت تخيفني دائمًا
شكوى.
حماية.
إجراءات.
أخصائية نفسية لجنى.
لم تكن كلمات جميلة.
لكنها كانت تشبه بابًا مفتوحًا.
خرجنا من الباب الخلفي للمدرسة.
حملت المعلمة هناء حقيبة جنى للحظة، لكن ابنتي ظلت تراقبها بقلق حتى أعادتها إليها.
داخل الحقيبة كان الهاتف القديم، والدمية المفتوحة، وكل تلك الليالي التي اضطرت طفلتي أن تسجلها حتى تنقذنا.
في سيارة الأجرة، بقيت بغداد كما هي.
مررنا قرب بائع سمك مسكوف، ورجل يبيع الخبز الحار، وصوت أحدهم ينادي على الخضار، كأن العالم لم ينقسم نصفين بالنسبة لنا.
كانت جنى ملتصقة بي، تنظر من النافذة.
همست
هو يعرف أننا طلعنا؟
ليس بعد.
سيغضب.
أمسكت يدها.
هذه المرة لن يجدنا وحدنا.
في مركز الحماية استقبلونا دون نظرات غريبة.
قدمت امرأة قصيرة الشعر الماء لجنى، وأخذتني أخرى إلى مكتب صغير وطلبت مني أن أحكي ما أستطيع.
كنت أريد أن أقول كل شيء بترتيب واضح، لكن الكلمات خرجت مكسورة
الطاولة.
التهديدات.
المال المخفي.
الحقيبة.
الهاتف.
وكلام الدورة.
وعندما شغلوا أول تسجيل لم تتفاجأ الموظفة.
وهذا أحزنني.
كأن ذلك الصوت البارد الذي يخرج من سامي سمعته من رجال آخرين، في بيوت أخرى، وفي مطابخ أخرى.
دخلت جنى مع الأخصائية النفسية.
وقبل أن تتركني،
ضغطت على أصابعي بقوة.
لا تقولي مرة ثانية إني كنت أختلق.
شعرت بالخجل حتى من تنفسي.
أبدًا قلت أبدًا لن أقول هذا مرة ثانية.
قدمنا الشكوى في ذلك العصر نفسه.
شرحوا لي أنهم يستطيعون طلب إجراءات تمنع سامي من الاقتراب منا، وأن الأمر لا يحتاج أن أملك كدمات واضحة حتى أكون خائفة.
قالت الموظفة جملة اخترقتني
الخوف أيضًا دليل عندما يأتي مع التهديد.
وقعت بيدي المرتجفة.
ثم عادوا معنا إلى البيت حتى نأخذ أوراقنا.
جاء شرطيان معنا.
وجاءت أيضًا الموظفة الاجتماعية، امرأة جادة تمشي كأنها تعرف تمامًا كم بيتًا يخفي أسراره خلف ستائر نظيفة.
كان البيت هادئًا عندما وصلنا.
أم حسين كانت تغسل الملابس في الساحة.
وأم علي كانت تقشر البامية في طشت معدني.
وراديو قديم كان يشغل أغنية عراقية قديمة، وللحظة بدا كل شيء طبيعيًا طبيعيًا أكثر من اللازم مقارنة بالرعب الذي كنت أحمله داخلي.
كان سامي في المطبخ.
جالسًا.
ينتظرنا.
كانت دمية جنى مفتوحة فوق الطاولة.
والهاتف القديم في يده.
قال
طلعت البنت ذكية.
جفّ حلقي.
جنى لم تكن معنا. بقيت في المركز مع الأخصائية، ومع هذا شعرت بغريزة دفعتني أن أقف أمام ابنة غير موجودة هنا.
قلت
جئت لأخذ أغراضنا.
ابتسم سامي. تلك الابتسامة نفسها التي كان يستعملها مع المعلمات، والجارات، وأمي.
أغراضنا؟ أنتِ ما عندك شيء يا أمينة.
تقدم الشرطي خطوة.
سيد، ابقَ بعيدًا.
نظر إليه سامي باحتقار.
الآن جبتِ شرطة إلى بيتي؟ ماذا قلتي لهم؟ إني أؤذيك؟ طيب ورّيهم أين ضربتك يا أمينة.
حرقتني عيناي.
لأن جزءًا مني كان ما يزال يريد أن يشرح يريد أن يفهم هو يريد أن يخرج بصمت.
لكنني رأيت الطاولة.
ورأيت الظل تحتها.

ورأيت طفلتي متكوّرة هناك طوال أسابيع.
وفي تلك اللحظة مات ذلك الجزء مني.
قلت
لا أحتاج كدمات حتى أخاف.
اختفت الابتسامة من وجهه.
دخلت الغرفة.
وضعت في كيس أسود الهويات، وأوراق المدرسة، ودفتر اللقاحات، ولبستين مدرسيتين، والجاكيت البنفسجي الذي كانت جنى ترتديه عندما يبرد الجو.
ثم بحثت عن ظرف مدخراتي تحت الملابس.
لم يكن موجودًا.
استدرت.
كان سامي عند الباب، يلوّح بالظرف بين أصابعه.
هذا الذي تريدينه؟ بهذا كنتِ تفكرين تهربين؟
طلبت منه الموظفة أن يسلمه.
ضحك.
أنتن لا تعرفن كيف هي. دائمًا تلعب دور الضحية. والبنت تتحكم بها. أنا الوحيد الذي وضع نظامًا في هذا البيت.
كانت أم حسين قد خرجت إلى الممر.
وخلفها ظهرت جارات أخريات.
نفس النساء اللواتي كنّ يقلن إنني محظوظة.
نفس النساء اللواتي كنّ يمدحن سامي لأنه يحمل أكياس السوق ويسلّم بأدب.
نظر إليهن سامي وغيّر صوته فورًا.
جاراتي قولوا لهم. أنتن تعرفنني. عمري ما عاملت أمينة بشكل سيئ.
خفضت أم علي رأسها.
وضغطت أم حسين على طرف مريولها المبلل.
لم تتكلم أي واحدة.
وعندها ارتكب سامي خطأه.
ظن أن الصمت ما يزال ملكه.
قال وهو يقترب
أمينة، توقفي عن هذه المهزلة واذهبي لإحضار البنت. سنذهب إلى بيت أمي اليوم.
وقف الشرطي بيننا.
لا تقترب.
دفع سامي ذراعه.
لم تكن دفعة قوية، لكنها كسرت شيئًا.
سقط القناع مع الكرسي الذي ارتطم بالأرض.
تشوه وجهه بالغضب، ولأول مرة رأوه كما كنا نراه نحن في الليل.
صرخ
هذه البنت لن تبقى معها! هي لا تعرف حتى كيف تدير بيتًا!
انطفأ صوت الراديو في الساحة.
حتى الطشوت بدت ساكنة.
التقطت ظرف المال عندما وقع من يده.
حاول أن ينتزعه مني، لكن الشرطي
الآخر أمسكه.
أخرجتني الموظفة الاجتماعية إلى الساحة وقالت
امشي ولا تلتفتي.
لكنني التفت.
رأيت المطبخ للمرة الأخيرة.
الطاولة كانت في المنتصف، بإحدى
تم نسخ الرابط