وقّعتُ على دَين أبي وحدي… وبعد وفاته اكتشفتُ ماذا كان مخبّأ داخل السند الأحمر

لمحة نيوز

أننا خسرناها للأبد.
وفي يوم أحد، ظهر سامر عند الباب.
جاء وحده.
بلا عطر.
بلا نظارات.
ويبدو أكبر سنًا.
كنت أغيّر مصباحًا في المدخل عندما رأيته.
ماذا تريد؟
نظر إلى اللافتة.
كنت مارًا من هنا.
لا أحد يمر صدفة من هنا.
لم يبتسم.
بقي صامتًا قليلًا.
ثم أخرج صورة قديمة مطوية.
كنا نحن الثلاثة فيها أطفالًا.
أنا بلا أسنان.
وسامر يحملني فوق كتفيه.
وحيدر يمسك كرة.
وأبي يقف خلفنا بثياب الورشة الملطخة بالزيت، ويبتسم كأن الدنيا لا ينقصها شيء.
وجدتها داخل صندوق قال ولم أعرف ماذا أفعل بها.
أعطاني الصورة.
لم يعتذر.
وأنا أيضًا لم أطلب منه ذلك.
لكن قبل أن يغادر، نظر إلى الداخل حيث كانت زهراء تقدم الشوربة لأحد المرضى.
تحتاجون شيئًا؟
كان بإمكاني أن أقول لا.
كان
بإمكاني أن أذله.
وأن أجعله يدفع ثمن كل عيد لم يتصل فيه.
لكنني سمعت صوت أبي
لا تقاتل بدافع الغضب.
فقلت
نعم. حفاضات للكبار. وشاش. ومحلول. وإذا جئت تأتي لتعمل، لا لتعطي أوامر.
شد سامر فكه.
ظننت أنه سيغضب.
لكنه هز رأسه.
سأعود غدًا.
لم يعد غدًا.
عاد بعد ثلاثة أسابيع.
ومعه أكياس شاش.
كان شيئًا صغيرًا.
لكنه كان شيئًا.
أما حيدر فتأخر أكثر.
ظهر بعد سنة تقريبًا، بعدما خسر تجارته وتركته زوجته.
جاء يطلب مالًا.
فعرضت عليه عملًا في المطبخ.
غضب وغادر.
ثم عاد بعد شهر وغسل الصحون دون أن ينظر في وجهي.
الحياة لم تُصلح كل شيء كما في الأفلام.
إخوتي لم يصبحوا ملائكة.
وأنا أيضًا لم أصبح قديسًا.
كانت هناك أيام ما زال يؤلمني فيها أن أراهم يلمسون أغراض أبي بعدما
رفضوه وهو حي.
لكنني تعلمت أن المسامحة لا تعني أن تسلم مفاتيح بيتك من جديد.
أحيانًا المسامحة تعني أن تضع حدودًا دون أن تتمنى للآخر الخراب.
وفي ذكرى وفاة أبي، ذهبنا إلى المقبرة.
أنا وزهراء وسامر وحيدر.
لم يتكلم أحد كثيرًا.
كانت الشمس حادة فوق القبور، وبائع ماء يمر بين الناس.
وضعت ساعة أبي فوق قبره للحظات.
ثم أعدتها إلى معصمي.
رجل محتال تمتمت تركت لي دينًا أكبر من مليار ومئتي مليون.
أمسكت زهراء يدي.
أي دين؟
نظرت إلى إخوتي.
ثم إلى الورد الأبيض.
ثم إلى التراب الذي يرقد تحته الرجل الذي اختبرني بورقة مزيفة وترك لي حقيقة لا تنتهي.
دين ألا أصبح مثلهم يومًا.
خفض سامر رأسه.
ومسح حيدر وجهه بطرف كمه.
لا أعرف إن كانا يبكيان على أبي أم على نفسيهما.
لكن
هذه المرة لم أعد أريد قياس ذلك.
وعندما خرجنا من المقبرة، رن هاتفي.
كانت أم حسين.
أستاذ علي وصلت امرأة مع ابنها من المستشفى. ليس عندهما مكان يذهبان إليه.
نظرت إلى السماء.
ثم إلى زهراء.
كانت قد أخرجت مفاتيح السيارة بالفعل.
هيا بنا قالت.
ركبنا جميعًا.
سامر حمل الورد المتبقي.
وحيدر لم يسأل إن كان سيأخذ أجرًا.
وأنا أقود في شوارع بغداد، وساعة أبي تنبض فوق معصمي كأنها قلب ثانٍ، فهمت أخيرًا ماذا أخفى داخل ذلك السند.
لم يكن مالًا.
ولم يكن فخًا.
ولم يكن ميراثًا.
كان آخر وصية كتبها رجل يحب بطريقة متعبة ومعوجة ولا تفهمها إلا بعدما تنكسر ثم تعود لتقف من جديد.
أبي لم يترك لي أملاكه فقط.
ترك لي مكانه على الطاولة.
وهذه المرة، عندما يدخل رجل نحيف وخائف ويحمل
كيس أدوية بيده لن يدفع أحد الورقة نحوه من جديد.
لن يعامله أحد كأنه دين.
ليس وأنا موجود.

تم نسخ الرابط