وقّعتُ على دَين أبي وحدي… وبعد وفاته اكتشفتُ ماذا كان مخبّأ داخل السند الأحمر
نظر إليّ كاتب العدل من فوق نظارته.
هل هناك شيء؟
ابتلعت ريقي.
أبي طلب مني ألا أفتحه أمام أحد.
لم ينزعج الرجل.
على العكس، ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه، كأنه كان ينتظر هذا الرد أصلًا.
وترك تعليمات لهذا أيضًا.
وقف، أغلق الستائر الخشبية، ثم خرج من المكتب.
وقبل أن يغلق الباب قال
لديك عشر دقائق يا أستاذ علي. ما ستجده هناك لا يجب أن يراه أحد حتى تقرر أنت.
بقيت وحدي مع الظرف والسند وصوت السيارات البعيد في شوارع بغداد.
كانت الورقة كما هي يوم وقّعتها.
توقيعي المرتجف.
والمبلغ المرعب.
مليار ومئتا مليون دينار.
لكن عندما اقتربت منها أكثر، لاحظت شيئًا لم أره سابقًا.
طريقة كتابة المبلغ.
أبي لم يكن يخطئ في هذه الأمور.
كان ميكانيكيًا، نعم لكنه كان يحفظ تفاصيل الأوراق كالمحاسب.
قطعت الطرف المخيط بالخيط الأحمر.
سقط من الداخل شريط رقيق من الورق، مطوي مرات كثيرة حتى بدا مستحيلًا أن يكون مخبأ هناك.
وسقطت أيضًا ذاكرة صغيرة سوداء بحجم الظفر.
ومفتاح صغير جدًا ملتصق بشريط لاصق.
بدأ العرق يملأ يدي.
فتحت الورقة.
عرفت خط أبي فورًا.
يا ابني، إذا كنت تقرأ هذا الآن، فهذا يعني أنك أوفيت بوعدين وقّعت عندما رفض الجميع، ولم تفتح هذا أمام أحد. سامحني لأنني استخدمت سندًا حتى أخبرك بالحقيقة. لم يكن دينًا كان بابًا.
شعرت أن المكتب يهتز.
اضطررت للجلوس.
أكملت
المستشفى كان حقيقيًا. والعملية أيضًا. لكن شركة التأمين غطّت كل شيء. عندما استيقظت بعد العملية، وعرفت أن عمري لم يعد طويلًا، فهمت أنني لا أخاف الموت بل أخاف أن أترك حياتي في الأيدي الخطأ.
غطّيت فمي بقبضتي.
أردت أن أغضب.
أردت أن أصرخ على رجل ميت.
أنا بعت سيارتي.
وعملت مناوبات إضافية.
وزهراء كانت تخيط ملابسها القديمة حتى لا تشتري غيرها.
كل هذا بسبب سند لم يكن سندًا أصلًا.
لكنني قرأت السطر التالي.
ما دفعته لم يكن دَيني الطبي أنت دفعت آخر سنة كرامة في حياتي.
امتلأت عيناي بالدموع.
رأيت أبي في الصالة وهو يعتذر كلما ساعدته على الوقوف.
رأيت يديه النحيفتين تمسكان بذراعي.
ورأيت زهراء تنفخ على الشوربة لأنه لم يعد قادرًا على حمل الملعقة جيدًا.
وفهمت شيئًا كان أقسى من الكذبة نفسها.
لو أخبرنا أنه لا يدين لأحد، لما أظهر سامر وحيدر الوجوه التي كانت بداخلهما.
أكملت القراءة.
المفتاح لصندوق أمانات. وكاتب العدل سيأخذك إليه. أما الذاكرة ففيها صوتي، إذا حاول إخوتك أخذ ما لم يعرفوا كيف يحافظون عليه. لا تقاتل بدافع الغضب يا علي قاتل فقط إذا حاولوا تلويث اسم زوجتك أو بيتك أو اسمك.
أغلقت يدي على المفتاح.
ترك أثرًا في راحتي.
كأن أبي ما زال يضغط على يدي من قبره.
وضعت كل شيء في جيب قميصي وفتحت الباب.
كان كاتب العدل جالسًا في الخارج ومعه
لم يسألني إن كنت بكيت.
فقط دفع أحد الفنجانين نحوي.
والدك قال إنك ستحتاج سكرًا.
ضحكت ضحكة مكسورة.
الرجل كان يعرفني جيدًا.
جدًا قال كاتب العدل ولهذا فعل كل شيء بهذه الطريقة.
أخذني إلى قبو البناية، حيث صف طويل من الصناديق المعدنية خلف باب حديدي.
كان رقمي سبعة وعشرين.
دخل المفتاح بسهولة.
وفي الداخل كان هناك ملف أزرق.
الملف نفسه الذي حاول حيدر أخذه من بيتي.
وكانت هناك ساعة يد قديمة.
ساعة أبي.
الساعة التي قال إنه باعها حتى أكمل دراستي.
أو هكذا أخبرني.
أمسكتها وشعرت أن ركبتيّ ضعفتا.
لم يبعها أبدًا.
رهنها ثم استعادها واحتفظ بها سنوات.
وتحتها صورة لأمي في سوق الشورجة، تحمل باقة ورد أبيض.
وخلف الصورة، بخط يدها
أبو علي إذا غبت أنا، لا تجعل الأولاد يصبحون غرباء.
أبي فشل في ذلك.
أو ربما نحن جميعًا فشلنا.
فتحت الملف.
كانت فيه عقود، وكشوفات حساب، ووصية، وأوراق أملاك لم أكن أعرف بوجودها.
ورشة كبيرة.
ومحلّان في بغداد.
وقطعة أرض خارج المدينة.
وحساب بنكي جعلني أخاف من الرقم المكتوب فيه.
لم تكن ثروة خيالية.
لكنها كانت أكثر مال رأيته في حياتي كلها.
وفي آخر الملف كانت هناك رسالة أخرى.
يا ابني، هذا ليس مكافأة هذه مسؤولية. الورشة لم أبعها لأنني تعرفت على أمك هناك. والمحلات أجّرتها بصمت حتى تدرسوا. سامر كان يظن أن الجامعة جاءت
اشتعل صدري.
أما إخوتك، فقد أخذوا نصيبهم وهم أحياء الجامعة، الدفعات، الديون التي لم يعيدوها، السيارات، والأزمات التي اخترعوها. وأنت أترك لك ما تبقى، لأنك الوحيد الذي لم يسأل كم يساوي الاعتناء بي.
أغلقت عيني.
لم أشعر بالفرح.
شعرت بالخجل.
كأن قبولي شيئًا من أبي خيانة لتلك السنة التي خدمته فيها دون انتظار مقابل.
تحدث كاتب العدل بهدوء.
والدك كان يعرف أنك ستفكر بالتنازل.
نظرت إليه.
وحتى لهذا ترك تعليمات؟
نعم.
أخرج ظرفًا صغيرًا.
كانت بداخله ورقة فيها جملة واحدة
لا تعاقب نفسك عندما تأخذ حقك.
انهرت.
بكيت بطريقة لم أبكِ بها حتى يوم الجنازة.
بكيت على أبي.
وعلى أمي.
وعلى زهراء.
وعلى سيارتي القديمة.
وعلى الليالي التي كنت أتظاهر فيها أنني غير خائف عندما تتصل شركات الديون.
تركَني كاتب العدل أبكي.
ثم وضع علبة مناديل على الطاولة وقال
الآن يجب أن تشاهد الفيديو.
وضع الذاكرة داخل الحاسوب.
ظهر أبي على الشاشة جالسًا في صالة شقتي.
البطانية البنية نفسها فوق قدميه.
وجهه غائر.
لكن عينيه كانتا حيّتين.
علي إذا كنت تشاهد هذا الآن، فأكيد أنت غاضب. ومن حقك. لكن اسمعني قليلًا ولو لأجل رجل عجوز وعنيد.
ضحكت وأنا أبكي.
كان
بطريقته التي يطلب فيها السماح دون أن يطلبه.
يوم وضعت ثلاثة سندات فوق الطاولة، كنت أريد أن أعرف من سيدفعني بعيدًا