الشاب الذي كان يوقف سيارته آخر الشارع… كان يخفي الجوع لا الهروب

لمحة نيوز

هذه المصيبة.
ستقول لي أن أعود.
وهل تريد؟
هز رأسه بالنفي.
ليس هكذا. ليس وأنا مهزوم.
جلست أمامه.
العودة ليست دائمًا هزيمة.
بالنسبة لها نعم. تعبت وهي تبيع الفطور قرب مدرسة حتى أكمل دراستي الصناعية. قلت لها إنني سأعيش جيدًا هنا. وإنني سأجمع المال لأفتح ورشتي الخاصة. وانظري الآن.
أشار إلى الساحة.
إلى الغرفة الصغيرة.
إلى الصناديق.
إلى حياته الملفوفة كأنها بضاعة تالفة.
أنا أرى شخصًا سقط قلت لا شخصًا انتهى.
أخذ سيف نفسًا عميقًا.
هذه المرة بلا صفير.
لم يطردوني بسبب تقليص العمال اعترف بل بسبب الغياب.
لم أقاطعه.
خفض عينيه.
جاءتني الأزمة بعد انتهاء الدوام. كنت قرب جميلة، وكانت الرائحة خليطًا من الفواكه الفاسدة والدخان، والعمال لا يزالون ينقلون الصناديق طوال الليل. جلست قرب جدار لأنني لم أعد أستطيع التنفس. رجل لا أعرفه ساعدني في طلب سيارة أجرة. وصلت إلى مستشفى اليرموك، وبعدها لم أذهب للعمل في اليوم التالي. ثم لم أستطع العودة بعدها أيضًا. وعندما رجعت، كان هناك شخص آخر مكاني.
كانت كذبة تقليص العمال آخر قطعة كرامة حاول أن يغطي بها نفسه أمامي.
لماذا لم تخبرني؟
ابتسم بلا فرح.
لأنك صاحبة البيت.
تلك الكلمة آلمتني أكثر مما توقعت.
صاحبة البيت.
التي تحاسب.
والتي تراقب.
والتي تستطيع تغيير القفل.
لسنوات كنت أحتمي خلف هذه الكلمة لأنني كنت خائفة
أيضًا. بعد وفاة زوجي، ساعدني تأجير الغرفة على تغطية المصاريف. وتجربة سيئة مع مستأجر سابق ترك الديون والجدران المكسورة جعلتني قاسية. كنت أسمي ذلك حذرًا، لكن الحذر أحيانًا يشبه القسوة كثيرًا.
وأنا أيضًا أمينة قلت.
لم يرد.
لكن شيئًا في كتفيه ارتخى.
في تلك الليلة لم أتركه ينام في الغرفة الخلفية.
وضعت له أغطية نظيفة على أريكة الصالة، تحت صورة زوجي الراحل. حاول أن يرفض طبعًا. قال إنه لا يريد الإزعاج، وإنه بخير هناك، وإن الأمر لا يستحق.
أرسلته ليستحم.
وأعطيته منشفة زرقاء وقميصًا قديمًا لابني الذي يعيش في أربيل ولا يزورني إلا عندما يحتاج شيئًا من البيت. كان القميص واسعًا قليلًا، لكنه أزال عنه شكل الغريق.
وأثناء استحمامه دخلت الغرفة الصغيرة.
ليس للتجسس.
بل لفتح النافذة وكنس الفتات ورمي الخبز اليابس.
ووجدت الورقة مرة أخرى.
رجاءً لا تزعجوا السيدة.
طيّتها ووضعتها داخل مريولي.
لم أكن أعرف السبب.
ربما لأن بعض الجمل لا يجب أن تُرمى قبل أن نفهم كم كان وزنها على صاحبها.
عند السادسة صباحًا من يوم الأحد، استيقظت بغداد على ذلك الرمادي الخفيف الذي يجعل الأرصفة تبدو كأنها مغطاة بطبقة فضة باهتة. ومن نافذتي رأيت بائعي السمبوسة يرتبون بضاعتهم، ورجلًا يكنس الشارع ببطء كأنه يمشّط الحي كله. حضرت بيضًا بالطماطم، وفاصوليا، وخبزًا ساخنًا.
خرج سيف
من الصالة قبل أن أناديه.
كان شعره مبللًا، والقميص مكويًا بطريقة مرتبكة، وعلى وجهه خوف نظيف يجعله يبدو أصغر من عمره.
لم أنم تقريبًا قال.
المهم ألا تنام أثناء المقابلة.
ابتسم.
وأكل أكثر من الليلة السابقة.
وهذا طمأنني.
عند العاشرة خرجنا بسيارتي القديمة البيضاء. عبرنا الشوارع بهدوء، وكانت بغداد يوم الأحد مختلفة قليلًا محلات تفتح أبوابها ببطء، وعائلات في طريقها إلى السوق، ورجل يبيع الشاي قرب الإشارة، وواجهات جديدة تقف بجانب بنايات متعبة.
وعندما مررنا قرب ساحة الطيران، نظر سيف من النافذة.
كنت أضيع هنا عندما جئت أول مرة إلى بغداد قال لم أكن أفهم خطوط النقل.
كلنا نضيع بالبداية. الفرق فقط أن بعض الناس يعترفون بذلك.
ضحك مرة أخرى.
أقوى هذه المرة.
استقبلتنا منطقة البياع بجدران طويلة، وأبواب حديدية، وشوارع مليئة بالشاحنات الكبيرة. هنا لم تكن المدينة تتظاهر بالأناقة. كانت رائحة الزيت والحديد والغبار والمخابز الصناعية تملأ المكان. منطقة قاسية، نعم، لكنها ما زالت تؤمن بقيمة اليد التي تعمل.
كان أبو علي ينتظرنا أمام الورشة بسترة زرقاء ووجه يبدو منزعجًا لأن يوم عطلته ضاع.
هذا هو؟ سأل.
نعم.
تقدم سيف خطوة.
صباح الخير. اسمي سيف علي. لدي دراسة صناعية في الصيانة. عملت في مخزن، وأعرف التعامل مع المعدات الأساسية والجرد.
تفحصه أبو علي من أعلى
إلى أسفل.
ولماذا خرجت من عملك الأخير؟
شاهدت ظهر سيف يتصلب.
ولثانية ظننت أنه سيكذب.
لكنه تنفس وقال
مرضت. أزمة ربو. ولم أتصرف بشكل صحيح. وخسرت العمل بسبب ذلك.
أمال أبو علي رأسه قليلًا.
هنا الخجل لا يشغّل الماكينات. إذا تكرر الأمر، هل ستخبرنا؟
نعم.
وهل ستحمل دواءك معك؟
نعم.
وهل ستصل في الوقت المحدد؟
ابتلع سيف ريقه.
نعم.
فتح أبو علي الباب الحديدي.
ادخل إذًا. لنرَ إن كان كلامك حقيقيًا.
بقيت أنا قرب المدخل.
ولأربعين دقيقة كنت أسمع أصوات الحديد، والآلات، وكلامًا متقطعًا داخل الورشة. جلست على حافة رصيف قرب نبتة صغيرة تنمو بين التشققات. وفكرت بزوجي الراحل. كان يقول دائمًا إن الناس لا يظهر معدنهم الحقيقي إلا عندما يملكون سلطة صغيرة على شخص أضعف منهم.
وأنا كنت أملك سلطة على سيف.
وكدت أستخدمها فقط لأطالبه بالدفع.
وعندما خرجا، كان أبو علي ما يزال جادًا.
أما سيف فكان شاحبًا.
يبدأ يوم الثلاثاء قال أبو علي تجربة أولًا. دوام مسائي. إذا التزم، يبقى.
فتح سيف فمه، لكن الكلمات تأخرت.
شكرًا قال أخيرًا.
أشار أبو علي إلى صدره.
وعندما تستلم راتبك، اشترِ بخاخًا إضافيًا. الإنسان ليس أقوى من الآلات.
في طريق العودة، لم نتكلم.
وأنا أيضًا لم أتكلم.
أحيانًا تكون الفرحة الجديدة هشة جدًا، لدرجة أن الكلام يفسدها.
وعندما وصلنا إلى البيت، وجدنا امرأة واقفة
أمام الباب.
كانت تحمل كيسًا، وشعرها مربوطًا، وعلى وجهها تعب شخص خرج منذ الفجر وهو خائف.
تجمّد
تم نسخ الرابط