كل ليلة كانت تبكي زوجها عند قبره… لكن ما وجده الحارس تحت شجرة البستان فجراً جعل الحقيقة أقسى من الموت نفسه

لمحة نيوز

وتجمّد الاثنان في مكانهما من شدة ما رأياه.
وبعد لحظات من الذهول، انتفض الحارس فجأة وكأن أمرًا قد اشتعل في رأسه.
راح يصرخ بوجه المرأة
أين بيتك؟ دلّيني عليه حالًا!
نظرت إليه بخوف وهي تقول
ما بك؟ ماذا رأيت؟
لكنه أمسك بيدها بعصبية، وأخذ يجرّها عبر الأزقة القديمة وهو يردد
فقط أخبريني أين تسكنين!
حتى وصلا إلى دارها قرب الحارة القديمة.
أشارت بيد مرتجفة
هنا هذا بيتي.
دخل الحارس البيت كالمجنون، يقلب المكان وينادي بصوت مرتفع
علياء! يا علياء!
ارتبكت المرأة أكثر وهي تسأله
من علياء؟ ماذا تريد؟
توقف فجأة، ثم نظر إليها بعينين امتلأتا بالغضب والدموع معًا.
وقال بصوت متقطع
على كفن زوجك كان هناك بيت شعر لا تردده إلا أختي علياء وهي مفقودة منذ خمسة أشهر.
شعرت المرأة بأن الأرض تميد تحتها.
فهي نفس المدة التي تغيّر فيها زوجها واشتد مرضه بطريقة غريبة.
وكان يخرج كل يوم إلى بستانه خارج المدينة، ويعود منهكًا شارد الذهن.
وكلما سألته، كان يجيبها
أبتعد عن الناس حتى لا تتعبي من مرضي.
ساد الصمت بينهما

للحظات طويلة.
ثم قال الحارس فجأة
خذيني إلى ذلك البستان.
حاولت منعه، لكنه أصر بعناد وخوف لا يشبه خوف البشر العاديين.
وقبل طلوع الفجر بقليل، وصلا إلى البستان.
كان الظلام يغطي الأشجار، والهواء ساكنًا بطريقة ثقيلة، حتى إن صوت خطواتهما فوق التراب اليابس كان يبدو واضحًا وسط ذلك الصمت المخيف.
الأغصان اليابسة تتحرك ببطء مع الريح، والكوخ الصغير يقف في آخر البستان كأنه مهجور منذ سنوات.
توقفت المرأة للحظة وقالت بصوت مرتجف
لنعد أشعر أن المكان يخيفني.
لكن الحارس لم يلتفت إليها.
كان يمشي بعينين شاردتين، وكأن شيئًا داخله يقوده نحو أمر لا يستطيع الهرب منه.
فتح باب الكوخ الخشبي بقوة.
صدر صوت حاد وسط السكون.
ثم دخلا.
كان المكان مبعثرًا بصورة غريبة.
فراش قديم مرمي على الأرض.
إناء ماء مكسور في الزاوية.
وبعض قطع القماش القديمة ملقاة قرب الحائط.
ورائحة رطوبة ثقيلة تملأ المكان حتى جعلت المرأة تضع يدها على أنفها.
راح الحارس يفتش بعينيه كل زاوية بعصبية.
يفتح الصناديق الصغيرة.
يرفع الأغطية القديمة.

وينادي بصوت متقطع
علياء يا علياء
لكن لا أحد يجيب.
فجأة توقف مكانه.
وكأن شيئًا لفت نظره خارج الكوخ.
خرج بسرعة، والمرأة خلفه لا تفهم شيئًا.
ثم لمح شيئًا أبيض قرب شجرة بعيدة عند طرف البستان.
اقترب ببطء شديد.
كان يمشي وكأن قدميه لم تعودا تحملانه.
ثم انحنى والتقط قطعة قماش صغيرة تشبه جزءًا ممزقًا من كفن.
نظر إليها طويلًا.
وبدأت يداه ترتجفان.
قال بصوت مخنوق
هذا هذا يشبه القماش الذي خاطته أمي لعلياء يوم اختفت.
شعرت المرأة بقشعريرة تسري في جسدها.
اقتربت منه أكثر وهي تحاول أن ترى ما بيده.
وفي تلك اللحظة، انتبه الحارس إلى أن التراب تحت الشجرة مرتفع قليلًا عن باقي أرض البستان.
كان المكان يبدو وكأن أحدهم حفره قبل أيام قليلة فقط.
تراجع خطوة إلى الخلف.
ثم سقط على ركبتيه فجأة.
وبدأ يحفر بيديه المرتجفتين كالمجنون.
والمرأة تصرخ خلفه
توقف ماذا تفعل؟!
لكنه لم يسمعها.
ظل يحفر بصمت، والتراب يملأ ثوبه ويديه.
والدموع تنزل من عينيه دون أن يشعر.
وكان يهمس بصوت مكسور
يا رب لا تكون هي يا رب لا
تكون هي
تعبت يداه سريعًا، لكن الخوف الذي داخله كان أقوى من التعب.
واصل الحفر بعنف أكبر.
حتى ظهرت قطعة قماش باهتة تحت التراب.
تجمد للحظة.
ثم أكمل إزالة التراب ببطء شديد.
وفجأة
ظهرت يد صغيرة شاحبة خارجة من الأرض.
تراجع الحارس إلى الخلف وكأن روحه خرجت من جسده.
وضع يده على فمه، وأخذ يتنفس بصعوبة.
أما المرأة، فصرخت بصوت مرتفع وهي تتراجع مذعورة.
لكن الحارس عاد بسرعة إلى الحفرة.
وأخذ يزيح التراب بيدين ترتجفان، حتى بدأت الملامح تظهر شيئًا فشيئًا.
وكان كل جزء يراه يزيد خوفه أكثر.
حتى وصل إلى الوجه.
عندها فقط توقف تمامًا.
وكأن الزمن توقف معه.
نظر طويلًا
ثم انحنى قرب الجثة وهو يبكي بصمت موجع.
كانت الملامح قد تغيرت من أثر التراب والرطوبة، لكن قطعة القماش الصغيرة المربوطة حول معصمها جعلته يعرف الحقيقة.
هي نفسها.
أخته علياء.
الأخت التي اختفت منذ أشهر دون أثر.
الأخت التي بحث عنها في أسواق بغداد القديمة، وفي الأزقة، وعند أبواب الخانات، وحتى بين القوافل الخارجة من المدينة.
جلس قرب الحفرة
وهو يحدق فيها بعينين فارغتين.
ثم قال بصوت متقطع
كنت أقول لأمي إنها ستعود
كنت أكذب عليها فقط حتى لا
تم نسخ الرابط