بقيت أنا وأخي وحدنا بعد وفاة أمي… لكن شخصًا مجهولًا كان يدخل بيتنا كل يوم دون أن نراه

لمحة نيوز

أحمد… ربما خالتي.

— لا أظن أن أمي أعطتها نسخة من مفتاح البيت.

— ربما فعلت ذلك عندما اشتدّ مرضها.

— معك حق… سأتصل بها بعد قليل لأشكرها.

لكن حين اتصلت بها، أنكرت خالتهما تمامًا أنها دخلت البيت، وكذلك الجارة أم مصطفى، مما جعل ريم تشعر بحيرة أكبر.

والأغرب أن الأمر تكرر كل يوم.

كانا يعودان من المدرسة ليجدا طعامًا جاهزًا، والبيت مرتبًا ونظيفًا، من دون أن يعرفا من الذي يساعدهما بهذا الشكل.

في إحدى الليالي، استيقظت ريم لتشرب الماء.

وأثناء عودتها إلى غرفتها مرّت قرب غرفة أخيها، فسمعته يدندن لحنًا قديمًا تعرفه جيدًا.

دخلت إليه بسرعة وقالت:

— هذه أغنية أمي… كانت تغنيها لك وأنت صغير، كيف حفظتها؟

فتح عينيه بنعاس وقال:

— أنتِ غنيتها لي قبل قليل… وكنتِ تلعبين بشعري.

تجمدت ريم مكانها.

— ماذا؟ أنا لم أدخل غرفتك الليلة.

لكنه كان قد عاد للنوم.

رجعت ريم إلى غرفتها وهي تشعر بانقباض غريب في صدرها.

كانت تحاول أن تقنع نفسها بأن أخاها كان نصف نائم فقط.

لكن شيئًا داخلها لم يكن مطمئنًا.

وبعد أيام، اشتاقت كثيرًا إلى أمها، فدخلت غرفتها التي بقيت مغلقة منذ وفاتها قبل ثلاثة أسابيع.

جلست على سريرها تبكي بصمت، ثم بدأت تتحدث كأن أمها تسمعها.

كانت تشكو لها تعبها، وخوفها، وصعوبة المسؤولية التي أصبحت فوق كتفيها.

وقبل أن تغفو بلحظات، شعرت بلمسة خفيفة على ظهرها، تشبه

تمامًا طريقة أمها في تهدئتها.

لم تخف وقتها.

لكنها في صباح اليوم التالي بقيت تفكر طويلًا:

هل كان ذلك حلمًا… أم أن الحزن بدأ يؤثر على عقلها؟

وفي نهاية الشهر، حاولت ريم أن تصنع كعكة بسيطة بمناسبة عيد ميلاد أحمد.

وبعدما تذوق قطعة صغيرة، قال بصراحة طفولية:

— ليست لذيذة مثل كعكة أمي.

ابتسمت ريم بتعب وقالت:

— هذه أول مرة أطبخ فيها بحياتي… حاول أن تكملها حتى لا نرمي الطعام.

قال أحمد وهو ينظر إلى الكعكة:

— كان الأفضل أن تطلبِي ممن يساعدنا أن يصنعها.

تنهدت ريم.

— وأنا أصلًا لا أعرف من الذي يساعدنا.

وفي تلك اللحظة، لمحت بطرف عينها فستانًا أحمر يمر قرب غرفة أمها.

شهقت بسرعة وركضت نحو الغرفة.

لكنها لم تجد أحدًا.

فقط الفستان نفسه فوق السرير.

وقفت تنظر إليه بخوف.

كانت متأكدة أنه كان داخل الخزانة قبل قليل.

وفي تلك الليلة بالكاد استطاعت النوم.

في اليوم التالي، أخبرت معلمتها بكل ما يحدث معها.

نظرت إليها المعلمة بقلق، ثم أعطتها رقم امرأة معروفة بقراءتها للرقية ومساعدة الناس الذين يمرون بضغط نفسي شديد.

وفي مساء اليوم التالي جاءت المرأة إلى البيت.

تجولت بين الغرف بهدوء، بينما كان أحمد منشغلًا بمشاهدة الرسوم المتحركة.

ثم جلست قرب ريم وقالت:

— أنتِ متعبة جدًا يا ابنتي… وتفكرين بوالدتك طوال الوقت.

قالت ريم بسرعة:

— لكن هناك أشياء تحدث فعلًا داخل

البيت.

ردّت المرأة بهدوء:

— أحيانًا الحزن يجعل الإنسان يشعر بوجود من فقدهم حوله… خصوصًا عندما يتحمل مسؤولية أكبر من عمره.

سكتت ريم قليلًا، ثم سألت:

— يعني أنا أتخيل؟

قالت المرأة:

— ربما بعض الأشياء حقيقية، وربما بعضها بسبب خوفك ووحدتك. المهم ألا تتركي هذه الأفكار تسيطر عليكِ.

ثم أضافت وهي تنظر حولها:

— هل آذاكِ أحد؟ هل تعرضتِ أنتِ أو أخوكِ لشيء مؤذٍ؟

هزّت ريم رأسها بالنفي.

— لا… بالعكس، كنا نشعر أحيانًا أن هناك من يهتم بنا.

ابتسمت المرأة بحزن وقالت:

— ربما لأنكما تفتقدان الأمان فقط.

خرجت المرأة من البيت، لكن كلامها بقي يدور داخل رأس ريم طوال الليل.

وفي تلك الليلة، رأت كابوسًا مزعجًا.

رأت أمها تعاتبها لأنها أصبحت تعتمد على شخص مجهول يساعدهما بدل أن تعتمد على نفسها.

استيقظت مرعوبة، وقلبها ينبض بسرعة.

وفي اليوم التالي، بدأت تبحث بين أغراض والدها القديمة.

وخلال تفتيشها، وجدت دفترًا مليئًا بكتابات غريبة وملاحظات غير مفهومة بخط والدها.

تذكرت فجأة كيف تغيّر والدها في آخر أشهر حياته.

كان يجلس وحده طويلًا، قليل الكلام، وكأنه غارق في أفكاره طوال الوقت.

حتى أمها، قبل مرضها الأخير، أصبحت شاردة ومتعبة أغلب الوقت.

جلست ريم تحدق في الدفتر وهي تشعر بأن هناك أسرارًا كثيرة لم تكن تعرفها عن حياة والديها.

لكنها لم تفهم شيئًا من تلك الأوراق.

وفي

أحد الأيام، بينما كانت تمشط شعرها أمام المرآة، شعرت فجأة بأنها لا تعرف نفسها.

كان وجهها شاحبًا ومتعبًا بطريقة أخافتها.

بقيت تحدق في انعكاسها طويلًا حتى خُيّل لها أن ملامحها تغيرت للحظات.

ابتعدت بسرعة عن المرآة وهي ترتجف.

كانت تعرف في داخلها أن الضغط والخوف والسهر بدأوا ينهكونها.

وفي اليوم التالي ذهبت مباشرة إلى المرأة التي زارتها، وأخبرتها بكل ما تشعر به.

استمعت إليها المرأة طويلًا، ثم قالت:

— أنتِ لا تحتاجين إلى الخوف… أنتِ تحتاجين إلى الراحة وإلى شخص يساندك.

وأضافت:

— لا تحمّلي نفسك فوق طاقتها، ولا تجعلي الحزن يأخذك بعيدًا عن الواقع.

ومنذ ذلك اليوم، حاولت ريم أن تعتمد على نفسها أكثر.

أصبحت تهتم بدراستها، وتطبخ لأخيها، وترتب البيت بنفسها، وتحاول ألا تفكر كثيرًا بالأشياء الغامضة التي كانت تخيفها.

لكن التعب النفسي لم يكن يتركها بسهولة.

الجزء التالي… بدأت ريم تلاحظ أن أحمد يتغير تدريجيًا بعد ابتعاده عنها.
بدأ أحمد يبتعد عن أخته شيئًا فشيئًا بعد تلك الفترة.

صار يقضي أغلب وقته داخل غرفته، ويغلق الباب عليه لساعات طويلة.

لم يعد يحكي لها عن يومه في المدرسة كما كان يفعل دائمًا، وحتى أثناء الطعام أصبح صامتًا أغلب الوقت.

وفي أحد الأيام، لاحظت ريم أنه لم يلمس فطوره صباحًا.

ظنت في البداية أنه متعب فقط، لكنه عاد ظهرًا من المدرسة وترك الغداء أيضًا

من دون أن يأكل.

حتى الحلويات التي كان يحبها لم يعد يهتم بها.

شعرت ريم بالخوف.

كانت كل الأفكار التي سمعتها سابقًا ما تزال عالقة في رأسها، ومع التعب والسهر بدأت تربط كل تصرف غريب بشيء مخيف.

تم نسخ الرابط