دفنت زوجتي… وبعد شهرين فقط كنت أدفن أطفالي واحدًا وراء الآخر!
وينخفض بهدوء.
كل شيء بقي كما هو.
إلا هم.
مددت يدي نحو إحدى صورهم المعلقة على الجدار.
بقيت أحدق فيها طويلًا.
وجوه بريئة لا تعرف شيئًا عن قسوة الدنيا.
وجوه كانت تثق بي بالكامل.
وكنت أظن أنني أحميها.
لكنني فشلت.
ذلك الشعور كان يقتلني كل ليلة.
شعور أنني كنت موجودًا معهم داخل البيت نفسه ولم أفهم ما كانوا يعيشونه.
كنت أظن أن التعب الذي يظهر عليهم سببه فقدان أمهم.
وأن خوف لجين مجرد حزن طبيعي.
وأن صمت سامر سببه المرض.
لم يخطر ببالي أبدًا أن الخطر كان قريبًا منهم إلى هذه الدرجة.
بعد كل ما حدث، فهمت أن الإنسان قد يرتكب أخطاء كبيرة وهو يظن أنه يفعل الصواب.
كنت أعتقد أن أطفالي بحاجة إلى أم ثانية تحتويهم وتخفف عنهم وجع الفقد.
ولم أنتبه أن المشكلة ليست في الوحدة دائمًا بل في الشخص الخطأ الذي يدخل حياتنا بثقة
تعلمت أن الأطفال لا يعرفون دائمًا كيف يشرحون خوفهم.
أحيانًا يصمت الطفل لأنه خائف.
وأحيانًا يبتسم رغم الألم لأنه لا يفهم ما يحدث له أصلًا.
لذلك يحتاجون إلى من يراقب تفاصيلهم الصغيرة.
طريقة نومهم.
نظراتهم.
خوفهم المفاجئ.
تغير أصواتهم.
حتى صمتهم أحيانًا يكون صرخة لا يسمعها أحد.
وتعلمت أيضًا أن بعض الناس يخفون خلف الهدوء وجوهًا أخرى لا تظهر بسرعة.
وأن الكلام الطيب وحده لا يكفي حتى نأتمن أحدًا على أرواح أطفالنا.
الثقة العمياء قد تجعل الإنسان يخسر كل شيء في لحظة لا يستطيع بعدها إصلاح أي شيء.
إلى اليوم ما زلت أزور قبورهم كل أسبوع.
أذهب مبكرًا قبل ازدحام المقبرة.
أقف أمامهم طويلًا وأنا أحمل بيدي الماء والورد.
أقرأ الفاتحة بصوت منخفض، ثم أجلس بصمت.
وفي كل مرة أشعر أن الكلام يختنق داخلي.
أحيانًا أتخيل
وأن سامر سيضحك وهو يختبئ خلف قبر أمه.
وأن محمود ما زال طفلًا صغيرًا نائمًا قربها لا يعرف شيئًا عن كل هذا الألم.
لكن الحقيقة كانت أقسى من كل ما تخيلته يومًا.
رحلوا جميعًا بسرعة، وكأن هذا البيت لم يُكتب له أن يحتفظ بالفرح طويلًا.
كل شيء انتهى خلال أشهر قليلة فقط.
زوجتي التي كانت تملأ البيت دفئًا رحلت أولًا.
ثم محمود الطفل الذي لم يأخذ فرصته حتى ليتعرف إلى الدنيا.
ثم سامر الذي كان يركض ويضحك قبل أيام قليلة فقط.
ثم لجين آخر روح كانت تمنح هذا البيت معنى للحياة.
أما أنا فبقيت وحدي بين الجدران والذكريات.
أحاول أن أعيش يومًا جديدًا، لكنني في الحقيقة كنت أعيش على بقايا أيام قديمة انتهت معهم.
أحيانًا أستيقظ في منتصف الليل وأنا أظن أنني سمعت صوت أحدهم يناديني.
أحيانًا أتجه
وكم مرة جلست على الأرض ممسكًا بملابسهم الصغيرة، وكأن رائحتهم ما زالت عالقة فيها.
حتى تفاصيل البيت البسيطة أصبحت تؤلمني.
مكان جلوس لجين قرب النافذة.
خطوات سامر الصغيرة في الحوش.
سرير محمود الصغير الذي بقي فترة طويلة كما هو لأنني لم أستطع الاقتراب منه.
كل زاوية هنا تحمل ذكرى.
وكل ذكرى كانت تفتح داخلي وجعًا جديدًا.
ومع ذلك كنت أحاول أن أتماسك.
ليس لأنني قوي، بل لأن الإنسان أحيانًا لا يملك إلا أن يكمل طريقه مهما كان مكسورًا.
كنت أزور قبورهم كثيرًا.
أجلس طويلًا أمامهم وأتكلم وكأنهم يسمعونني.
أخبرهم كم أشتاق إليهم.
وكم تمنيت لو عاد بي الزمن للحظة واحدة فقط لحظة واحدة أستطيع فيها أن أحميهم بشكل أفضل.
لكن بعض الأمنيات تأتي متأخرة جدًا.
رحمهم الله