دفنت زوجتي… وبعد شهرين فقط كنت أدفن أطفالي واحدًا وراء الآخر!
بعدما اختبأت فوق علّية المطبخ، كنت أسمع صوت الأواني وحركة زوجتي داخل البيت بشكل طبيعي جدًا، وكأن شيئًا لم يكن يحدث.
كانت تنظف الغرف بهدوء، تمسح الأرض، وترتب الوسائد، ثم دخلت المطبخ وأكملت عملها كعادتها كل يوم.
حتى إنني للحظة شعرت أنني ظلمتها بشكوكي.
قلت في نفسي
يمكن أنا تعبت نفسيًا بعد موت محمود وسامر ويمكن الحلم الذي رأيته أربكني فقط.
لكن قلبي لم يكن مرتاحًا.
بقيت أراقب بصمت.
بعد دقائق، اتجهت نحو أحد أدراج المطبخ، فتحته ببطء، وأخرجت منه حبلاً صغيرًا، ثم أحضرت كوبًا فيه سكر.
تجمّد جسدي بالكامل.
لم أفهم ماذا تريد أن تفعل.
ثم رفعت صوتها بهدوء وقالت
لجين تعالي يمّه.
كانت ابنتي جالسة في زاوية الحوش الصغير، تلعب بقطعة قماش قديمة تخص أمها.
رفعت رأسها فور أن سمعت صوتها، لكن ملامحها تغيّرت فجأة.
وقفت ببطء، ثم بدأت تتراجع إلى الخلف وهي تنظر إلى الكوب والحبل بخوف واضح.
قالت بصوت مرتجف
بالله يا عمتي لا تفعلي الله يخليكِ.
ما زلت أتذكر تلك الجملة حتى اليوم.
الطريقة التي قالتها بها.
الخوف الذي كان يخرج من صوت طفلة صغيرة لا تفهم
أما زوجتي، فبقيت تتقدم نحوها بهدوء غريب، وكأن الأمر طبيعي جدًا.
أمسكتها من يدها رغم مقاومة لجين الصغيرة، وسحبتها نحو أحد أركان المطبخ، حيث كان هناك جحر صغير يخرج منه النمل.
كنت أرى ابنتي تبكي وتحاول الإفلات منها.
وكان السكر يتساقط قليلًا من الكوب على الأرض.
في تلك اللحظة شعرت أن رأسي سينفجر.
لم أعد قادرًا على البقاء مختبئًا ثانية واحدة.
قفزت من مكاني ونزلت بسرعة وأنا أصرخ
ابعدي عنها!
ارتعبت زوجتي وأسقطت الكوب من يدها، بينما ركضت لجين نحوي وهي تبكي بشكل هستيري وتتشبث بملابسي.
كانت ترتجف بقوة.
ضممتها إلى صدري وأنا أحاول تهدئتها، لكنها كانت تبكي بطريقة جعلت قلبي يتمزق.
صرخت بوجه زوجتي
شنو اللي كنتِ تسوينه؟!
بقيت صامتة للحظات، ثم بدأت تنكر وتقول إنها كانت فقط تخيفها حتى تسمع الكلام.
لكنني لم أعد أصدق أي كلمة.
كل شيء مرّ أمام عيني دفعة واحدة.
موت محمود المفاجئ.
مرض سامر الغامض.
خوف لجين الدائم.
نظراتها المرتبكة كلما اقتربت منها زوجتي.
كل شيء صار مفهومًا بشكل مرعب.
خرجت من البيت وأنا أحمل ابنتي، وتوجهت
وبعد التحقيقات، تم القبض على زوجتي.
كانت تنكر كثيرًا في البداية، لكن القضية استمرت حتى وصلت إلى المحكمة.
أتذكر يوم الجلسة جيدًا.
كنت جالسًا في آخر القاعة، ولجين بجانبي تمسك يدي بصمت.
أما هي فكانت تقف أمام القاضي بوجه بارد، وكأن كل ما حدث لا يعنيها.
وبعد الاستماع إلى أقوال الجميع، صدر الحكم بسجنها لمدة عامين.
انتهت الجلسة.
لكن حياتي أنا لم تنتهِ عند هذا الحد.
لجين دخلت بعدها في حالة نفسية صعبة جدًا.
أصبحت تخاف من النوم وحدها.
تستيقظ وهي تبكي.
وتصرخ أحيانًا من دون سبب واضح.
حاول الأطباء مساعدتها، لكن حالتها كانت تزداد سوءًا يومًا بعد يوم.
وبعد أسبوعين فقط
رحلت هي أيضًا.
رحلت آخر قطعة بقيت لي من عائلتي.
ما زلت أتذكر آخر مرة أمسكت فيها يدها داخل المستشفى.
كانت يدها صغيرة وباردة جدًا.
وكانت تنظر إليّ بتعب، بينما الأجهزة حولها تصدر أصواتًا متقطعة.
جلست قربها طوال الليل.
أقرأ القرآن بصوت منخفض.
وأدعو الله فقط أن تبقى.
لكنها رحلت بهدوء كما رحل إخوتها قبلها.
في ذلك اليوم شعرت أن البيت الذي كنت أعود إليه
عدت وحدي.
فتحت الباب ببطء.
دخلت إلى البيت وأنا أحمل مفاتيحي بيد مرتجفة، وكأنني لأول مرة أدخل هذا المكان الذي عشت فيه سنوات طويلة.
لم يكن هناك صوت أطفال.
لا ألعاب صغيرة مرمية على الأرض كما كانت تفعل لجين كل يوم.
لا صوت محمود وهو يبكي في منتصف الليل.
لا خطوات سامر الصغيرة وهو يركض داخل الحوش ويختبئ خلف الباب حتى يخيفني ويضحك.
كل شيء كان ساكنًا بشكل موجع.
حتى الجدران شعرت أنها صامتة أكثر من المعتاد.
أغلقت الباب خلفي، وبقيت واقفًا في مكاني لثوانٍ طويلة، أنظر حولي وكأنني أبحث عنهم بعيني رغم أنني أعرف أنهم لن يعودوا.
رأيت دمية لجين قرب الأريكة.
كوب سامر الصغير ما زال فوق الطاولة.
وغطاء محمود بقي مطويًا في زاوية الغرفة كما تركته آخر مرة.
اقتربت ببطء وجلست في وسط الغرفة.
لا أعرف كم مرّ من الوقت وأنا على تلك الحال.
ربما دقائق وربما ساعات.
كنت أنظر إلى كل زاوية في البيت وأشعر أن جزءًا مني مدفون هناك.
في تلك الزاوية كانت لجين تجلس قرب أمها وترسم.
وهناك كان سامر يضحك بصوت عالٍ لأنه سكب الماء على نفسه.
وعند تلك الغرفة الصغيرة كنت أسهر قرب محمود وهو نائم، أراقب صدره الصغير وهو يرتفع