اكتشفت بالصدفة أن عائلتي كانت تعيش كأنني غير موجودة… والسبب حطّم قلبي بالكامل
تقصدها بالضبط.
خفض عينيه.
لم نكن نريد أن تشعري بهذا.
حزنت من الجملة أكثر مما غضبت.
لأن من يؤذيك ثم يختبئ خلف النية، ينتظر منك أن تشكره على المحاولة.
قلت
ومع ذلك نجحتم جدًا.
تنفس أبي بعمق.
للحظة بدا كأنه يريد أن يقول شيئًا مهمًا.
شيئًا ربما لم يجرؤ على قوله منذ سنوات.
لكنه اختار الطريق السهل مرة أخرى.
على كل حال، هذا سيبقى بيتك دائمًا.
نظرت نحو الباب.
نحو الشرفة التي نمت فيها شهورًا.
نحو نافذة الغرفة التي تنام فيها مريم الآن.
نحو الحوش الذي طويت فيه الملابس مرات كثيرة وهم يتعشّون في الخارج أو يجلسون لمشاهدة الأفلام من دوني.
قلت له
لا. بيتي سيكون المكان الذي لا أحتاج فيه إلى إذن حتى أكون موجودة.
ركبت السيارة.
لم أبكِ عندما تحركت.
بكيت بعد ثلاث شوارع، عندما شغّل السائق الراديو، وملأت أغنية عادية الصمت، كأن العالم لا يعرف أن حياة كاملة كانت تنكسر داخلي.
استقبلتني أربيل بحرارة جافة، وضجيج، وشعور غريب بأن لا أحد يعرفني، وهذا أراحني.
كانت صديقتي دانية تنتظرني خارج الموقف، تحمل قهوة باردة وكيس معجنات.
لم تسألني فورًا
ثم حملت إحدى حقائبي.
وفقط عندما ركبنا السيارة قالت
هنا لن تبقي زائدة عن أحد، مفهوم؟
كانت جملة بسيطة.
لكنني شعرت أن شيئًا داخلي ارتخى لأول مرة منذ شهور.
كان المشروع أصعب مما توقعت.
ساعات طويلة.
عملاء متعبون.
مواعيد شبه مستحيلة.
لكن كان هناك شيء يرممني في أن أتعب من أجل شيء يعيد لي اسمي.
لا أحد يطلب مني طي ملابس غيري.
لا أحد يجعلني أعتذر لأنني أحتاج مساحة.
لا أحد يرسلني لجلب الماء بينما الآخرون يرفعون الكؤوس.
استأجرت أنا ودانية شقة صغيرة قرب مكان العمل المؤقت.
هي كانت تطبخ بشكل سيئ.
وأنا كنت أجيد القهوة.
وبيننا بدأنا نبني روتينًا لا يشبه بيت الكرادة أبدًا.
في البداية كنت أعتذر عن كل شيء.
آسفة لأنني استخدمت الحمّام طويلًا.
آسفة لأنني تركت كوبًا على الطاولة.
آسفة لأنني تأخرت.
آسفة لأنني حزينة.
آسفة لأنني لا أريد الكلام.
وفي يوم، رمت دانية وسادة على وجهي وقالت
افهميها يا سارة لا أحد هنا يتحملك. نحن نحبك.
ضحكت حتى بكيت.
مرّ أسبوعان قبل أن تكتب لي أمي.
لم تسألني كيف أنا.
ولم تقل إنها آسفة.
أرسلت صورة فاتورة
ممكن تحولين حصتك؟ حتى لو لستِ هنا، أنتِ ما زلتِ جزءًا من البيت.
بقيت أنظر إلى الهاتف عدة ثوانٍ.
ثم أجبتها بجملة واحدة
لم أعد كذلك.
اتصلت فورًا.
لم أرد.
كتب لي علي.
لم أجب.
ثم أرسلت مريم تسجيلًا طويلًا، تبكي فيه وتقول إنها تشعر بالذنب، وإنها لم تكن تريد أن تفرقنا، وتتمنى أن أفهم أنها هي أيضًا عانت كثيرًا.
حذفته قبل أن أكمله.
ليس لأنني لا أصدق أنها عانت.
بل لأنني فهمت لأول مرة أن ألم الآخرين لا يبرر المكان الذي وضعوني فيه.
بعد ثلاثة أشهر حصلت على عمل ثابت في أربيل.
لم يكن مثاليًا.
لكنه كان لي.
وقّعت العقد يوم الثلاثاء، وفي تلك الليلة اشتريت سريرًا مفردًا من أول مبلغ ادخرته كاملًا.
عندما وصل إلى الشقة، جلست فوق الفراش الجديد، وبقيت أنظر إلى السقف مثل طفلة.
لم يكن سريرًا فاخرًا.
لم تكن له خلفية.
ولم تكن عليه شراشف جميلة بعد.
لكنه كان داخل غرفة.
وكان لي.
في تلك الليلة بكيت طويلًا.
مع الوقت، ظلت عائلتي تحاول سحبي للعودة بطرق غريبة.
أبي يرسل صورًا لأشياء عادية.
علي يكتب لي كبّري عقلك.
أمي تتظاهر
ومريم تتفاعل مع قصصي كأن الثقة ما زالت موجودة بيننا.
كنت أرد أقل كل مرة.
ليس عقابًا.
بل حفاظًا على نفسي.
أحيانًا يظن الإنسان أن الرحيل هو لحظة إغلاق الباب.
لكنه ليس كذلك.
الرحيل الحقيقي يبدأ بعد ذلك، عندما تقاوم رغبتك في العودة إلى مكان تعرف أنه يكسر شيئًا فيك.
بعد قرابة سنة، عدت إلى بغداد فقط من أجل معاملة.
لم أخبرهم أنني سأبقى أيامًا.
نزلت عند قريبة بعيدة كانت دائمًا لطيفة معي، وعندما رأتني قالت جملة هزتني
وجهك مرتاح.
لم يستخدم أحد هذه الكلمة لوصفي من قبل.
في اليوم الأخير، قبل أن أعود إلى أربيل، مررت بالشارع الذي كبرت فيه.
لم أنزل من السيارة.
فقط نظرت إلى واجهة البيت.
نفس الطلاء المتعب.
نفس الأصيص المكسور.
نفس الشرفة التي نمت فيها وأنا أشعر بالامتنان للفتات.
لم أشعر برغبة في الدخول.
ولا حتى بالكراهية.
فقط وضوح كبير.
اهتز هاتفي في تلك اللحظة.
كانت رسالة من دانية.
صورة لنبتتي عند شباك الشقة، مائلة قليلًا لكنها حيّة، وتحتها كتبت
بيتك ينتظرك. والقهوة أيضًا، حتى لو طلعت سيئة.
ابتسمت.
أغلقت
نظرت مرة أخيرة إلى ذلك البيت.
وفهمت أخيرًا أن رحيلي لم يكن تخليًا عن عائلتي.
كان توقفًا عن التخلي عن نفسي.