الطفل الذي حملته بين ذراعيّ لعام كامل… أخفى سرًا لم أتخيله
المحتويات
ماذا فعلتِ؟
هزّت رأسها، لكن عينيها امتلأتا بالدموع.
ليس ندمًا.
بل غضبًا.
فعلت ما كان يجب فعله.
تجمّد الدم في عروقي.
ماذا يعني هذا؟
اقترب فؤاد منها.
نوال، اصمتي.
لكن الوقت كان قد فات.
نظرت إليّ بذلك الاحتقار القديم نفسه، لكن من دون قناع هذه المرة.
أنتِ لا تفهمين معنى أن تحمل العائلة اسمًا مثل المرّ. لا تفهمين ما الذي كان متوقعًا من هذا الطفل.
اقتربت منها وآدم يبكي فوق صدري.
ماذا فعلتم بابني؟
لم أؤذِ أحدًا.
أجيبيني!
ارتجفت، لكنها رفعت ذقنها بعناد.
الممرضة اتصلت بي.
شحُب وجه كريم.
ماذا؟
قالت إن هناك مشكلة. الأساور اختلطت. ولم يعودوا متأكدين من هوية الأطفال.
أصبح الهواء ثقيلًا.
وماذا فعلتِ؟ سألت.
ابتلعت ريقها.
ذهبت إلى المستشفى.
أنتِ؟
نعم.
كنتُ فاقدة الوعي قلت وأنا أكاد أتقيأ كنت في غرفة التعافي.
وكان كريم يوقّع الأوراق قالت وكأن ذلك يبرر الجحيم.
واخترتِ؟ همست.
وكان صمتها أقسى جواب سمعته في حياتي.
وضعت يدي على فمي.
أنتِ اخترتِ طفلًا.
لم يكن الأمر هكذا!
أنتِ اخترتِ آدم!
صرخت فجأة
اخترت الطفل الذي يمكن أن يشبه عائلة المرّ!
شقّ صوتها القاعة إلى نصفين.
لم يتحرك أحد.
حتى كريم بقي جامدًا مكانه.
أما فؤاد فأغلق عينيه بخزي.
ونظرت أنا إلى آدم.
طفلي.
الطفل الذي
يا الله همست.
بدأت نوال تبكي، لكنها استمرت بالدفاع عن نفسها.
يارا من عائلة بسيطة. ولو بدا الطفل مختلفًا كثيرًا، لبدأ الناس بالكلام. كان عليّ أن أحمي كريم، وأن أحمي اسم العائلة
سرقتِ ابني! صرخت.
كان آدم يبكي بشهقات، وأنا أقبّل جبينه بجنون بينما أشعر أن العالم ينهار فوق رأسي.
أين هو؟ أين الطفل الذي أنجبته؟
هزّت نوال رأسها.
لا أعرف.
كاذبة!
لا أعرف! الممرضة قالت إن الطفل سُلّم لعائلة أخرى، وأنا لم أرد أن أعرف المزيد.
اندفعت نحوها، لكن كريم أمسك بي.
يارا، لا.
اتركني! هذه المرأة سرقت ابني!
سنجده قال ودموعه في عينيه أقسم لك أننا سنجده.
نظرت إليه بكره موجع.
وأنت؟ لماذا ضحكت يوم المختبر؟
انهار وجهه أخيرًا.
لأنني لو لم أضحك لكنت فعلت شيئًا مجنونًا. لأنني فهمت في تلك اللحظة أن هناك خطبًا منذ الولادة. ولأنني رأيتك تحمّلين نفسك ذنبًا ربما لم يحدث أصلًا.
تركتني وحدي مع ذلك الذنب.
نعم.
لم يدافع عن نفسه.
وهذا آلمني أكثر.
ولن أسامحك بسهولة.
خفض رأسه.
أعرف.
في تلك الليلة وصلت الشرطة إلى منزل عائلة المرّ.
ولم تبقَ حفلة.
ولا قالب حلوى.
ولا صور عائلية.
أدلت نوال بأقوالها وهي تبكي أمام الجميع، بينما بدأ فؤاد بإجراء اتصالات
أما الممرضة لورا حداد، فقد عثروا عليها بعد يومين في عيادة خاصة خارج بيروت، تعمل باسم مختلف.
في البداية أنكرت كل شيء.
ثم رأت التحويلات البنكية.
وبعدها انهارت.
قالت إن تلك الليلة داخل قسم الولادة كانت فوضى كاملة.
أربعة أطفال.
أساور مختلطة.
ملفات طبية متداخلة.
لكن الخطأ كان يمكن إصلاحه في نفس الليلة.
كان يمكن.
إلى أن وصلت نوال إلى المستشفى.
بالمال.
وبالنفوذ.
وباسم العائلة.
اعترفت لورا أن ابني البيولوجي سُلّم إلى زوجين شابين من طرابلس، كانا قد خسرا حملين سابقين ريم وجهاد عواد.
أناس عاديون.
هادئون.
أخذوا طفلًا ظنوه طفلهم.
وأنا أخذت آدم.
الطفل الذي لم يخرج من جسدي لكنه دخل روحي.
عندما أعطوني عنوان عائلة عواد، تقيأت داخل حمام المحكمة.
ليس من القرف.
بل من الخوف.
كيف يمكن لامرأة أن تطرق باب بيت لتقول
الطفل الذي تحبونه هو ابني؟
كيف يمكن انتزاع حياة كاملة من أم لم ترتكب ذنبًا؟
سافرنا إلى طرابلس صباح يوم رمادي.
كنت مع أمي، ومع كريم، ومع أخصائية اجتماعية.
وكان آدم نائمًا فوق كتفي، يده الصغيرة ممسكة بقميصي.
كل مرة كان يناديني فيها ماما، كان شيء داخلي يتمزق.
كان منزل عائلة عواد صغيرًا، مطليًا بالأزرق، وعلى الشرفة ملابس أطفال تتحرك مع الهواء.
فتحت
كانت تقريبًا بعمري.
وجه متعب.
وعينان طيبتان.
نعم؟
حاولت الكلام، لكن صوتي اختفى.
تدخلت الأخصائية الاجتماعية وشرحت الأمر بهدوء.
اختفى اللون من وجه المرأة فورًا.
لا قالت لا، هذا مستحيل. ابني ليس
ثم ظهر طفل صغير خلفها.
كان يحمل سيارة حمراء بيده.
وتوقف الزمن.
رأيت نفسي فيه.
عيناي.
ذقني.
حتى الشامة الصغيرة قرب الحاجب شامة أبي.
ابني.
ابني الحقيقي.
كان اسمه طارق.
نظر إليّ بفضول بريء.
ماما من هؤلاء؟
أطلقت ريم شهقة مكتومة واحتضنته بسرعة.
وطفلان.
وأربع أرواح على وشك الانكسار.
لم تحدث صرخات.
ولا اتهامات.
فقط ذلك الألم الضخم الذي يجعل الكلام مستحيلًا.
جلسنا داخل الصالون الصغير.
كانت الأخصائية تتحدث عن التحاليل والإجراءات والحقوق والدعم النفسي.
لكنني بالكاد سمعت شيئًا.
كنت فقط أنظر بين طارق وآدم، وأشعر أن قلبي موزع بين طفلين.
نظرت إليّ ريم بعينين متورمتين من البكاء.
والله ما كنت أعرف.
وأنا أيضًا.
طارق حياتي كلها.
نظرت إلى آدم.
وآدم كذلك.
وفي تلك اللحظة فهمت الحقيقة الأقسى
لا توجد نهاية نظيفة لهذا النوع من الألم.
لا توجد عدالة لا تجرح أحدًا.
ولا طريقة لإعادة كل طفل إلى مكانه من دون تحطيم العالم الوحيد الذي عرفه.
أكدت التحاليل كل شيء.
طارق ابني البيولوجي
وآدم ابن ريم وجهاد.
تم الادعاء على نوال.
وعلى لورا أيضًا.
أما فؤاد فحاول التظاهر بأنه لم يكن يعرف شيئًا، لكن سجلات الاتصالات دمّرته.
متابعة القراءة