الطفل الذي حملته بين ذراعيّ لعام كامل… أخفى سرًا لم أتخيله
كريم لم يُخرج ذلك الظرف ليدافع عني.
بل كان يجهّز الحقيقة التي ستدفن كل من حاول دفنها قبله.
شعرت أن أرضية الرخام داخل منزل عائلة المرّ تحولت إلى ماء تحت قدميّ. تحرك آدم بين ذراعيّ بانزعاج، وكأنني أستطيع حمايته من العاصفة التي كانت قد بدأت أصلًا داخل هذا البيت.
كريم همست.
لكنه لم يجبني.
اقتربت حماتي، السيدة نوال، وعيناها تلمعان بذلك الرضا السام الذي عرفته فيها منذ أول يوم.
افتحه يا ابني قالت ببطء بما أن يارا أرادت الحقيقة، فليعرف الجميع الحقيقة كاملة.
بقي الضيوف جامدين في أماكنهم.
لا أحد تحرك.
عامل الترفيه ما زال يحمل بالونًا أصفر نصف منفوخ بين يديه.
وأغنية الأطفال الخافتة في الخلفية بدت سخيفة بشكل مؤلم، كأنها تسخر منا جميعًا.
فتح كريم الظرف.
وأغمضت أنا عينيّ.
انتظرت الضربة.
انتظرت أن أسمع كلمة سلبية بصوت مرتفع وسط القاعة العالية والثريات الباهظة.
لكن كريم لم يقرأ الورقة.
بل أخرج ورقة أخرى.
ورقة لم أرها من قبل.
توقف قلبي.
قبل أن تبدأ أمي بالاحتفال قال بصوت واضح هناك شيء يجب أن تعرفوه.
عقدت نوال حاجبيها.
ماذا يعني هذا؟
رفع كريم الورقة قليلًا.
هذا ليس تحليل DNA الخاص بآدم معي.
شعرت أن روحي انسحبت من جسدي.
ماذا؟
نظر إليّ أخيرًا.
ولم تكن في عينيه سخرية هذه المرة.
كان هناك تعب.
وغضب.
وحزن لم أستطع فهمه يوم المختبر لأنني كنت غارقة
بعد أن ظهرت النتيجة الأولى تابع أجريت تحليلًا آخر.
مرّت همهمة ثقيلة بين الحاضرين.
تحليل آخر؟ سأل حماي فؤاد وهو ينهض ببطء لماذا؟
استدار كريم نحوه بهدوء.
لأن التحليل الأول لم يقل إن آدم ليس ابني.
توقفت أنفاسي.
بل قال شيئًا أسوأ.
ساد صمت ثقيل لدرجة أن آدم نفسه توقف عن الحركة.
قال إن آدم ليس الابن البيولوجي ليارا.
شعرت وكأن أحدهم انتزع قلبي بيديه.
لا تمتمت لا، هذا مستحيل.
ابتلع كريم ريقه، وكانت أصابعه ترتجف قليلًا حول الورقة.
طلبت تحليل أمومة. ليارا وآدم. في مختبر آخر. من دون أن أخبر أحدًا.
اختفى اللون من وجه نوال.
كريم ماذا تقول؟
ضحك ضحكة قصيرة مرة.
أقول إن الطفل الذي دخل هذا البيت، الطفل الذي أهنتموه لعام كامل، الطفل الذي كانت أمي تسميه الأسمر الصغير وكأنه عيب ليس ابن يارا البيولوجي أيضًا.
انطفأ العالم حولي.
نظرت إلى آدم.
آدمي.
طفلي.
وجهه المستدير.
رموشه الطويلة.
فمه الصغير المرتجف بسبب الأصوات العالية.
لا قلت وأنا أهز رأسي لا يا كريم أنت مخطئ. أنا من أنجبته. أنا من حملته. أنا شعرت به يخرج مني.
أعرف قال، ولأول مرة انكسر صوته وأنا كنت هناك أيضًا.
اختنقت.
تذكرت المستشفى.
الفجر.
الألم.
التخدير.
الغرفة البيضاء.
بكاء طفل.
ثم الإغماء.
رائحة المعقمات.
وممرضة تقول لي
ارتاحي يا مدام، كل شيء صار بخير.
وبعد ساعات آدم
آدم.
هذا مستحيل كررت مستحيل.
ضربت نوال الطاولة بكأسها.
هذا هراء! أكيد يارا تلاعبت بكل شيء!
نظر إليها كريم ببرود جعلها تصمت فورًا.
تلاعبت بتحليل أنا أجريته سرًا يا أمي؟
إذًا المختبرات مخطئة.
أجريت ثلاثة تحاليل.
خلع فؤاد نظارته ببطء.
ثلاثة؟
ثلاثة تحاليل مختلفة قال كريم واحد معي، وواحد مع يارا، وواحد توافق عائلي. آدم لا يشارك ال مع أيّ منا.
ارتفعت الهمسات في القاعة.
إحدى القريبات رسمت إشارة الصليب على صدرها.
وأخرى أغلقت هاتفها أخيرًا.
أما أنا فلم أعد أسمع شيئًا بوضوح.
كنت فقط أنظر إلى آدم، إلى يده الصغيرة المعلقة في سلسلتي، وكأنه ما زال يراني المكان الأكثر أمانًا في العالم.
إذًا ابن من هو؟ سألت بصوت مرتجف.
خفض كريم عينيه.
هذا ما أحاول اكتشافه منذ شهور.
اخترقتني كلمة أحاول.
منذ متى؟
تنفس بعمق.
منذ يوم التحليل الأول.
اشتعل صدري.
وتركتني كل هذا الوقت أظن أنني أنني
لم أستطع إكمال الجملة.
لم أستطع الاعتراف بذلك الشك القذر الذي تسمم داخلي منذ ذلك اليوم في المختبر.
حفلة الوداع.
الرجل الغريب.
الغرفة المشوشة.
الخوف.
العار.
كل ليلة كنت أبتلع ذلك وحدي.
تركتني أظن أنني خنت ابني وخنتك؟
أغلق كريم عينيه.
كنت أحاول حمايتك.
ضحكت.
ليس لأن الأمر مضحك.
بل لأن الألم أحيانًا يخرج من الجسد بهذه الطريقة.
تحميني بالكذب؟
لم أعرف كيف أخبرك
سقطت الكلمة فوق رأسي كالحجر.
تبدّل.
طفلي.
طفلي الحقيقي.
بدأ طنين حاد يملأ أذنيّ.
أين ابني يا كريم؟
لم يجب أحد.
أين ابني؟!
بدأ آدم بالبكاء.
وأنا أيضًا.
تحولت الحفلة إلى عزاء بلا جنازة.
البالونات الذهبية فوق رؤوسنا بدت سخيفة أمام تلك الحقيقة المرعبة.
اقترب كريم مني ببطء.
يارا، اسمعيني. استعنت بمحامٍ. طلبت سجلات المستشفى. يوم ولادتك وُلد أربعة أطفال ذكور خلال أقل من ساعتين. حدث خلل في نظام الأساور. وهناك ممرضة استقالت في اليوم التالي. أشياء كثيرة غير منطقية.
وتخبرني بهذا في عيد ميلاد آدم؟! أمام الجميع؟!
نظر إلى والديه.
لأنهم لو عرفوا بالأمر على انفراد، كانوا سيدفنونه.
وقفت نوال بسرعة.
انتبه لكلامك!
لا يا أمي. تعبت من الانتباه.
تحدث فؤاد لأول مرة بصوت ثقيل
كريم، هذا الموضوع يجب أن يُعالج بهدوء.
وهنا فهمت شيئًا.
نظرة كريم.
التحذير.
الظرف.
لم يكن يحاصرني وحدي.
بل كان يحاصرهم هم أيضًا.
ماذا تعرفون؟ سألت وأنا أنظر إلى حماتي وحماي.
ضمت نوال شفتيها.
لا تكوني سخيفة.
ماذا تعرفون عن ابني؟
لا نعرف شيئًا!
لكن صوتها لم يكن غاضبًا.
بل خائفًا.
أخرج كريم ورقة أخرى من سترته.
والدي أجرى اتصالًا بمدير المستشفى بعد ثلاثة أيام من الولادة.
تصلّب وجه فؤاد.
هذا لا يثبت شيئًا.
وأمي حوّلت مبلغًا ماليًا إلى ممرضة اسمها
وضعت نوال يدها على عقدها بسرعة.
كانت مساعدة فقط.
مساعدة بقيمة نصف مليون دولار؟
انفجرت القاعة بالهمسات.
نظرت إلى نوال وكأنني أراها لأول مرة.