بعد أربعين سنة من الخدمة والتعب… اكتشفتُ أن عائلتي كانت تخطط لحياتي بعد موت زوجي وكأنني لم أعد موجودة

لمحة نيوز

على إضافتها لأنها كادت تضحك حين سمعتها مني
لا يرث الابن ما حاول أن يديره كأنه صاحبه قبل أوانه.
في الظهيرة، كانت السفينة تمضي فوق البحر الأحمر، والماء يلمع حولها كأنه صفحة جديدة.
جلست مع أمينة، ومع امرأة أخرى اسمها سعاد من الرياض.
كانت ترتدي قبعة بيضاء، وتتحدث عن أولادها كأنها تتحدث عن مستأجرين مزعجين.
سألتني
أنتِ بعد هربتِ؟
قلت
تقاعدت من العائلة.
رفعت أمينة فنجانها.
إذن نشرب على هذا القرار.
شربنا القهوة.
في هذا العمر، تكتشف المرأة أن القهوة قد تكون احتفالًا كاملًا.
وفي تلك الأثناء، كانت حياة خالد تتفكك داخل الفيلا.
أرسلت لي أم فهد تسجيلات صوتية.
في الأول، كان صوت ريم يعلو لأن أحد الكلاب أفسد السجادة الفارسية.
السجادة كانت لي.
في الثاني، كان خالد يطالب بالدخول إلى غرفتي.
ردّت لطيفة
لا يمكنك ذلك. السيدة نورة تركت تعليمات مكتوبة. وأي دخول غير مصرح به سيُعتبر تعديًا على الملكية وإساءة تصرف.
قال خالد
أنا ولدها!
قالت لطيفة
ولهذا السبب تحديدًا اسمك موجود في الملف.
ضحكت بقوة حتى سألتني أمينة إن كانت القهوة فيها شيء إضافي.
عند العصر، حين عدت إلى غرفتي الصغيرة في السفينة، وجدت رسالة صوتية من خالد.
هذه المرة لم يكن يصرخ.
كان يبكي.
يمّه سامحيني. أنا ما كنت أعرف إنك حاسة كذا. ريم بالغت بموضوع الحيوانات. أنا ظنيت إن وجودها بيونسّك. ما يحتاج
تعاقبيني بالفيلا. نقدر نحل الموضوع. ارجعي ونتفاهم.
جلست على السرير.
سرير صغير.
مرتب.
ملكي.
كانت السفينة تتحرك بهدوء.
استمعت للرسالة مرتين.
ليس لأنني ترددت.
بل لأنني أردت أن أميز الفرق بين الندم والخوف.
لم أجده.
سمعت فقط رجلًا سقطت خطته.
كتبت له
خالد، وحدتي لم تهمك. غيابي هو الذي أخافك. فكر في هذا.
ثم أغلقت الهاتف مرة أخرى.
كان الأسبوع الأول غريبًا.
أفطر فاكهة وأنا أنظر إلى البحر.
أمشي على السطح مع نساء يشبهن من خرجن للتو من مطابخ طويلة، وأسرة مرضى، وصالات لا يسألهن فيها أحد إن كنّ يرغبن في الجلوس.
في ينبع نزلت وتمشيت قرب البحر.
اشتريت قبعة كان أبو خالد سيقول إنها مبالغ فيها.
لبستها طوال اليوم.
وفي محطة أخرى لم أنزل من السفينة.
بقيت أنظر إلى الماء من بعيد، وفي يدي عصير ليمون بالنعناع، أفكر أن الإنسان أحيانًا لا يحتاج أن تطأ قدمه الأرض ليعرف أنه لم يعد محبوسًا.
واصل خالد الكتابة.
في البداية تهديدات قانونية.
ثم لوم.
ثم صور.
الصالة ممتلئة بالأقفاص.
القطة فوق الطاولة.
والببغاء في المطبخ يردد عجوز كسولة أمام ريم، ووجهها يقول إنها تفكر في إسكاته بأي طريقة.
في النهاية، أخذ الطبيب البيطري الحيوانات.
لم أتركها بلا رعاية.
كنت قد دفعت إقامة لها في مركز متخصص لمدة أسبوعين.
حتى الحيوانات تستحق معاملة أفضل مما قدمه لها ابني.
وعندما حاول خالد
استعادتها، طلبوا منه رسوم الإقامة، وتكاليف التطعيمات، وغرامة نقص الأوراق.
أرسل لي الفاتورة وعليها علامات استفهام كثيرة.
لم أرد.
الضربة الأقوى جاءت في اليوم الخامس عشر.
اتصلت بي لطيفة بينما كنت أقف قرب الحاجز، أراقب لون البحر يتحول من أزرق إلى رمادي.
قالت
أم خالد، خالد حاول الاعتراض على الوقف.
قلت
توقعت.
قالت
وقال أيضًا إنك تعانين من ضعف في الإدراك.
ضحكت بمرارة.
طبعًا. لأهتم بالببغاء أنا واعية، أما لأقرر في مالي فأنا غير مؤهلة.
قالت لطيفة
عندي خبر جيد.
قولي.
القاضي لم يقبل الإجراءات المستعجلة. والأجمل أن ابنك قدم كدليل قائمة مهام كان يقول إنك تقومين بها بلا مشكلة أدوية أبيه، المدفوعات، التنظيف، رعاية الحيوانات، وإدارة الفيلا.
صمتُّ.
أكملت لطيفة
هو بنفسه أثبت أنك بكامل قدرتك.
نظرت إلى البحر.
جميل حين توقّع الغطرسة كشاهد ضد نفسها.
قالت
وهناك أمر آخر. ريم حاولت الدخول مع فني أقفال. أم فهد اتصلت بالشرطة. والكاميرا الخارجية سجلت كل شيء.
وضعت يدي على جبيني.
أم فهد بخير؟
أم فهد سعيدة جدًا. تقول إنها لم تستمتع بهذا القدر منذ زواج ابن أختها.
لأول مرة منذ أيام، بكيت من الضحك.
بعد شهر، توقف خالد عن مراسلتي.
وكان ذلك أصعب.
لأن صمت الأبناء يؤلم، حتى لو كان ضجيجهم أذى.
قضيت عصرًا كاملًا في غرفتي على السفينة، والبحر يضرب جانبها برفق، وأنا أنظر
إلى صور قديمة.
خالد بزي المدرسة.
خالد ووجهه مغطى بالكعك في عيد ميلاده.
خالد يحمل ابنته الأولى.
خالد نائم على الكنب قرب أبيه.
تساءلت متى تحول إلى هذا الرجل الذي ترك الأقفاص في صالتي بعد أسبوع واحد من دفن أبيه؟
ربما لم يتحول.
ربما فقط تعلّم أنني أقول نعم دائمًا.
المشكلة لم تكن في الحب.
بل في الحب بلا حدود.
في إحدى المحطات، اشتريت دفترًا صغيرًا.
وبدأت أكتب كل ما لم أقله يومًا.
اليوم أفطرت وحدي، ولم يطلب مني أحد أن أسخّن الخبز.
اليوم نمت قيلولة بلا ذنب.
اليوم دعاني رجل للرقص، فقلت لا لأنني لا أريد لا لأنني لا أستطيع.
اليوم اشتقت إلى أبي خالد، لكنني لم أشتق إلى رعايته.
هذه الجملة الأخيرة جعلتني أبكي ثلاث صفحات.
لأن الأرملة قد تشعر بالراحة أيضًا.
وهذه الراحة لا تلغي الحب.
بل تجعله إنسانيًا.
بعد ثلاثة أشهر، وصلتني رسالة من حفيدتي الكبرى جود.
كانت في السادسة عشرة، وفيها من العناد أكثر مما فيها من الصبر.
كتبت
جدتي، أبوي يقول إنك تركتينا. وماما تقول إن الفيلا ما راح تكون لنا. صحيح إنك بتعطينها لنساء ما تعرفينهم؟
أجبتها
هن لسن نساء لا أعرفهن. هن أنا لكن بأسماء كثيرة.
تأخرت يومين ثم ردت
أقدر أزورك لما ترجعين؟
بكيت حتى ظنت أمينة أن ضغطي ارتفع.
كتبت لها
نعم. لكن تأتين لتزوريني أنا، لا لتقيسي الغرف.
وصلني قلب صغير.
كان كافيًا.
بعد ستة أشهر،
عادت السفينة إلى جدة لفترة قصيرة.
نزلت ومشيت على كورنيش جدة.
رأيت العائلات، والمقاهي، والبحر الذي يلمع تحت الشمس، والناس
تم نسخ الرابط