قال له أمام التورتة: “يا رب تكون آخر شمعة”… لكن الأب كان قد سبقهم جميعًا

لمحة نيوز

بقدمه بعنف حتى ارتطم بالحائط.
شهقت سارة.
وبكى آدم أكثر.
أما داليا فتراجعت خطوة كاملة إلى الخلف، وكأنها بدأت ترى الرجل الذي كانت تحاول تجاهله منذ سنوات.
قال كريم وهو يشير نحوي بعصبية
إنت السبب! طول عمرك محسسني إني ناقص! طول عمرك معتبر الورشة أهم مني!
خرجت الكلمات من فمه دفعة واحدة.
كأنها كانت محبوسة منذ سنوات طويلة.
نظرت إليه بصمت.
أما هو فتابع
كنت بتعامل العمال أحسن مني! حسن وسيد يعرفوا عنك أكتر ما أعرف! حتى وهم غرب كانوا أهم عندك!
قال حسن بهدوء
يا أستاذ كريم
لكن كريم صرخ فيه
ما تدخلش!
ثم عاد ينظر إليّ بعينين حمراوين
عمري ما حسيت إن البيت بيتي! كل حاجة كانت باسمك حتى أمي كانت دايمًا تقول أبوك تعب علشان ده كله.
سقط اسم سهام بيننا كجرح قديم.
شعرت بشيء ثقيل يتحرك داخل صدري.
لأن جزءًا منه كان يقول الحقيقة.
كنت قاسيًا أحيانًا.
غائبًا أحيانًا.
مشغولًا دائمًا.
لكن التعب لا يبرر الطمع.
ولا يحوّل الأب إلى فريسة.
قلت بهدوء
يمكن قصّرت معاك فعلًا لكن عمري ما خنتك.
ضحك بمرارة.
لا إنت بس خلتني أفضل طول عمري واقف برا حياتك أستنى إمتى تفتح الباب.
تدخلت داليا أخيرًا، وصوتها
يرتجف
كريم كفاية.
التفت إليها بعصبية.
وإنتِ اسكتي!
ثم أشار إلى الملف فوق السفرة.
أيوه عندي ديون. مبسوط؟ أهو عرفت. مبسوط إن ابنك غرقان؟
سألته بهدوء
ديون إيه؟
ضحك ضحكة متعبة.
كل حاجة قروض كروت لعب.
أغمضت داليا عينيها فورًا.
أما أنا فشعرت كأن الغرفة ضاقت فجأة.
قلت ببطء
قمار؟
لم يرد.
لكن صمته كان أوضح من أي اعتراف.
جلست داليا على الكرسي ببطء شديد، وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
همست
كنت بتقولي شغل وسفر ومشاريع.
رد بعصبية
وكنت أعمل إيه؟! كل حاجة كانت بتقع فوق دماغي!
قالت والدموع تملأ عينيها
كنت هتبيع بيت أبوك علشان تسدد قمار؟
ضرب الطاولة بيده.
كنت هصلّح كل حاجة بعدين!
صرخ آدم من الخوف.
أما سارة فاحتضنته بقوة وهي تبكي بصمت.
وفي تلك اللحظة فقط
نظرت إلى أحفادي وفهمت لماذا كنت مضطرًا أن أوقف كل شيء الليلة.
لو سكتُّ أكثر
لأصبح الخراب عاديًا داخل هذه العائلة.
قال المستشار عادل بهدوء حازم
الأفضل تهدأ يا أستاذ كريم لأن أي تهديد أو اعتداء دلوقتي هيتسجل رسمي.
نظر كريم حوله.
إلى الوجوه.
إلى الأطفال.
إلى الملف.
إلى البيت الذي كان يظن أنه صار قريبًا منه.
ثم جلس فجأة فوق الكرسي.

كأن الغضب كله خرج منه دفعة واحدة.
وقال بصوت منخفض
أنا تعبت.
لم يرد أحد.
لأن التعب لا يعطيك الحق في دفن أبيك حيًا.
مرّت ثوانٍ طويلة.
ثم رفعت داليا وجهها نحوي لأول مرة منذ بداية المواجهة.
وقالت بصوت مكسور
أنا ما كنتش أعرف كل حاجة والله ما كنت أعرف.
نظرت إليها طويلًا.
كانت خائفة فعلًا.
ومتعبة فعلًا.
لكنها كانت تعرف ما يكفي لتصمت.
والصمت أحيانًا يصبح شراكة.
قالت بسرعة
كنت فاكرة إنه بس بيحاول يأمّن مستقبلنا ما كنتش أعرف موضوع القروض ولا القمار.
تنهدت ببطء.
ثم قلت
المشكلة مش في الفلوس يا داليا المشكلة إن البيت اتحول عندكم لحسابات وأرقام.
خفضت رأسها فورًا.
وفي الخارج، بدأ أذان المغرب يرتفع من مسجد آخر الشارع.
الصوت دخل البيت بهدوء غريب.
كأنه يطفئ شيئًا مشتعلًا منذ سنوات.
مسحت سارة دموعها الصغيرة، ثم اقتربت مني فجأة.
وقالت بصوت مرتجف
جدو إنت زعلان من بابا أوي؟
نظرت إلى كريم.
كان يبكي بصمت لأول مرة منذ أن دخل.
ليس بكاء ندم كامل
ولا بكاء براءة.
بل بكاء رجل اكتشف متأخرًا أنه خسر نفسه.
قلت لها بهدوء
أنا زعلان لكني لسه أبوه.
رفع كريم عينيه نحوي فورًا.
وفي تلك اللحظة عاد
يشبه ابني للحظة قصيرة جدًا.
لحظة فقط.
ثم اختفت.
قال عادل وهو يغلق الملف
الإجراءات هتكمل قانوني لكن القرار الأخير في إيدك يا أستاذ محمود.
نظرت إلى البيت حولي.
الكراسي المبعثرة.
الأطباق الباردة.
التورتة التي لم يعد أحد يريدها.
وصورة سهام المعلقة فوق الحائط.
ثم قلت بهدوء
كريم هيسيب مفاتيح الورشة والشقة دلوقتي وهيتوقف أي تعامل مالي باسمي نهائي.
أغلق عينيه للحظة.
ثم أخرج المفاتيح ببطء ووضعها فوق السفرة.
الصوت كان صغيرًا جدًا
لكنه بالنسبة لي كان نهاية سنوات كاملة من الخداع.
ثم وقف.
نظر إلى أطفاله.
ثم إليّ.
وقال بصوت متعب
أنا فعلًا كنت مستنيك تموت.
شهقت داليا.
أما أنا فلم أتحرك.
وأكمل وهو ينظر إلى الأرض
مش علشان أكرهك علشان كنت حاسس إن حياتي وقفت وإنك ماسك كل حاجة وإن عمري بيضيع وأنا مستني دوري.
شعرت بغصة قاسية داخل صدري.
لأن كثيرًا من الخراب يبدأ من قلوب ضعيفة لا من وحوش.
قلت بهدوء
كان ممكن تطلب مني أساعدك مش تدفنّي بدري.
انهار وجهه تمامًا.
أما آدم فركض فجأة نحوي واحتضن ساقي الصغيرة وهو يبكي
ما تزعلوش من بعض.
أغمضت عيني للحظة.
وربّتُّ على شعره الصغير.
وفي تلك اللحظة
فهمت شيئًا متأخرًا جدًا
أن العائلات لا تنهار فجأة.
بل تتآكل ببطء
بكلمة صغيرة.
بطمع صغير.
بصمت طويل.
وبشمعة واحدة يتمناها ابنك الأخيرة.

تم نسخ الرابط