قال له أمام التورتة: “يا رب تكون آخر شمعة”… لكن الأب كان قد سبقهم جميعًا
من أجل المستقبل قال كريم وهو يرفع الكأس لأن بابا أخيرًا فهم إن العيلة الحقيقية لازم تكون منظمة.
ابتسمت داليا فورًا.
أما أنا فرفعت كوب الماء بهدوء.
عندك حق قلت العيلة لازم تتنظم وعشان كده جمّعتكم النهارده.
لم يلتقط كريم المعنى.
كان مطمئنًا أكثر من اللازم.
يجلس على سفرتي كأنه الوريث، لا الابن.
أما داليا فعدّلت المنديل فوق ساقيها، ثم نظرت ناحية المكتب المجاور بنظرة سريعة، كأنها تعرف مسبقًا أن الأوراق التي جاءت من أجلها موجودة خلف ذلك الباب.
وفي تلك اللحظة خرج المستشار عادل.
تجمّدت ابتسامة كريم.
أما داليا فاعتدلت في جلستها بسرعة.
أستاذ عادل؟ قالت وهي تحاول التماسك والله مفاجأة.
مساء الخير قال بهدوء.
حفيدي الصغير آدم ظل يأكل الأرز دون أن يفهم شيئًا.
أما سارة فكانت تنظر بيني وبين أبيها بقلق طفولي واضح.
الأطفال يشعرون دائمًا عندما تكون السفرة على وشك الانهيار.
وضع عادل الحقيبة السوداء فوق الطاولة، بجوار بقايا التورتة من الليلة الماضية.
ثم فتح الملف ببطء وقال
الأستاذ محمود وقّع صباح اليوم على إلغاء جميع التوكيلات والصلاحيات الخاصة بالأستاذ كريم سواء المتعلقة بالحسابات أو الورشة أو التأمين أو أي ممتلكات أخرى.
ترك كريم الكأس فورًا.
يعني إيه؟
نظرت إليه مباشرة.
يعني من النهارده ما بقاش ليك أي حق تحرك حاجة باسمي.
شحبت داليا.
ثم قالت بسرعة
أكيد في سوء فهم يا أستاذ محمود حضرتك يمكن ما كنتش مركز وإنت بتمضي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.
بالعكس كنت صاحي جدًا. وشربت قهوتي كمان قبل ما أمضي.
ضحك كريم ضحكة قصيرة جافة.
بابا إنت مكبر الموضوع أوي. أنا كنت بس بحاول أساعدك.
المساعدة مش إنك تطلب دفتر شيكات إضافي من البنك من غير ما أعرف.
اختفت الابتسامة من وجهه.
كان احتياط بس.
والمساعدة مش
إنت بتبالغ.
ولا إنك تبعت سمسار يقيّم الشقة وأنا لسه عايش فيها.
خفضت داليا عينيها فورًا.
وفي تلك اللحظة فقط تأكدت.
هي كانت تعرف كل شيء.
قال كريم بنبرة بدأت تفقد هدوءها
يا بابا إنت تعبت فعلًا. الدنيا اتغيرت. الورشة مش زي زمان. دلوقتي كله تحويلات وفواتير إلكترونية وأنظمة حديثة لازم حد فاهم يدير الدنيا دي.
مسحت فمي بالمنديل ببطء.
عندي تلاتة وستين سنة يا كريم مش تلاتة وتسعين. ولسه بعرف أفرق بين ابني واللي مستني أملاكه.
فتح المستشار عادل ورقة أخرى.
وتم تعديل الوصية أيضًا وإلغاء النسخة القديمة بالكامل.
وقف كريم بعنف.
غيّرت الوصية؟!
سقطت الشوكة من يد سارة.
بابا في إيه؟
لكنه لم يسمعها.
كان ينظر إليّ فقط.
بغضب لم يعد يحاول إخفاءه.
ليه تعمل كده؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
عشان امبارح تمنيت إنها تكون آخر شمعة أطفيها.
فتحت داليا فمها بسرعة
يا أستاذ محمود والله كان بيهزر كريم طريقته هزارها تقيلة شوية بس.
لا ما كانش بيهزر. وحتى لو كان بيهزر في كلام بيتقال مرة واحدة بس.
ضرب كريم الطاولة بكفه.
اهتزت الأكواب.
فزع آدم وبدأ بالبكاء.
أما سارة فاحتضنته بسرعة.
وكريم لم ينظر حتى إلى أولاده.
وهنا انتهى آخر شك داخلي.
قال بعصبية
الوصية الجديدة فيها إيه؟
شيء موجع جدًا أن يسألك ابنك عن ممتلكاتك قبل أن يسألك إن كنت ما زلت تحبه.
قلت بهدوء
الشقة أصبحت باسم صندوق استثماري لصالح أحفادي عندما يكبرون بشرط إنك ما يكونش ليك أي سلطة عليها.
وضعت داليا يدها فوق صدرها.
إيه؟!
والورشة ستظل باسمي طول ما أنا عايش. وبعدها جزء منها يروح للعمال اللي وقفوا معايا سنين والباقي لأحفادي.
احمرّ وجه كريم بشدة.
يعني هتسيب تعبي للميكانيكية؟!
رفعت عيني إليه بثبات.
تعبك؟ الورشة دي عمر كامل
ساد الصمت للحظة ثقيلة.
وفي الخارج مرّ بائع الفول بعربته، وصوته المعتاد يملأ الشارع.
الحياة كانت مستمرة بشكل طبيعي
بينما بيتي كان ينهار بهدوء.
قالت داليا فجأة بسرعة واضحة
والتأمين؟
نظر إليها كريم بعصبية حادة.
أما عادل فأخرج ورقة أخرى.
تم تغيير المستفيدين أيضًا وإبلاغ شركة التأمين بمراجعة أي طلب سابق أو جديد.
ضغطت داليا شفتيها بقوة.
حضرتك ما ينفعش تعمل كده فجأة.
رفع عادل عينيه إليها.
ينفع.
اقترب كريم مني خطوة.
إنت بتعمل أكبر غلطة في حياتك يا بابا.
الغلطة كانت يوم سلمتك مفتاح الخزنة.
توقف مكانه.
وهنا رأيتها.
تلك الرعشة الصغيرة في عينيه.
قال بصوت مرتبك
أنا ما فتحتش الخزنة.
ناقص ملفات من جوه وموظف الشهر العقاري أكد إن حد حاول يحدد ميعاد لتوقيع تنازل باستخدام بطاقتي وصور أوراقي.
وقفت داليا فجأة.
لا كده الموضوع بقى إهانة.
أخرجت المنديل الورقي من جيبي ووضعته أمامها.
الشقة.
الورشة.
التأمين.
الحساب الاستثماري.
التوقيع الناقص.
ظل كريم ينظر إليه بصمت.
لم ينكر.
لم يستطع.
ثم قال أخيرًا
أنا كنت بحاول أنظم الدنيا إنت ما تعرفش مسؤولية العيلة بقت عاملة إزاي.
ضحكت.
ضحكة صغيرة موجوعة.
فتحت الورشة الساعة ستة الصبح تلاتين سنة يا كريم في عز المطر، والبرد، والديون ما تجيش تعلمني يعني إيه مسؤولية.
كانت سارة تنظر إليّ بعينين ممتلئتين بالدموع.
جدو
التفت إليها كريم بعصبية.
خدي أخوكي وانزلي العربية.
لا قلت بهدوء.
نظر إليّ بعنف.
ما تدخلش ولادي في الموضوع.
إنت اللي جبتهم على سفرة كنت ناوي تقنعني فيها أوقّع على ضياع عمري.
ازداد بكاء آدم.
أما سارة فلم تتحرك.
ثم سألت بصوت مرتجف
بابا إنت كنت عايز تاخد بيت جدو؟
تجمّد كريم تمامًا.
سارة اسكتي.
شعرت بشيء قديم ينقلب داخلي.
ما
دي بنتي.
ودي بيتي.
تقدم نحوي بغضب.
لكن عادل وقف بيننا فورًا.
خليك مكانك.
ابعد.
لا.
ولأول مرة منذ سنوات رأيت كريم يتردد أمام رجل لا يعرف كيف يسيطر عليه.
ثم فجأة رن جرس الباب.
مرة.
ثم مرتين.
ذهب عادل ليفتح.
ودخل حسن وسيد أقدم عاملين عندي في الورشة.
وخلفهما جاءت الحاجة أم منى، جارتي القديمة التي عاشت معنا كل سنوات التعب.
ضحك كريم بسخرية.
حلو جبت جمهور كمان؟
قلت بهدوء
لا جبت ناس تعرف الحقيقة.
وضع حسن ملفًا رماديًا فوق السفرة.
وقال
يا معلم محمود التسجيلات كلها هنا.
نظر كريم إلى الملف وكأنه رأى كابوسًا.
لم أكن أعرف كل شيء قبل هذا الصباح.
لكن عندما شاهدت التسجيلات فهمت.
كان يظهر وهو يدخل الورشة ليلًا بمفتاحه القديم.
يفتح مكتبي.
يفتش الأدراج.
يصوّر العقود والأوراق.
وفي تسجيل آخر كان يتحدث مع رجل أمام الورشة.
قال عادل
الراجل ده شغال مع شركة تمويل وعندنا اسمه كامل.
اندفع كريم نحو الملف.
لكن سيد سحبه بعيدًا.
بالراحة يا أستاذ.
صرخ كريم
إنت مالك يا أجير!
وقفت فورًا.
في بيتي ما تغلطش في ناس اشتغلوا معايا بشرف.
نظر إليّ بكره صريح.
ثم قال
وأنا أبقى إيه؟
خرج السؤال مكسورًا.
ولثانية واحدة
لم أر الرجل الطماع.
رأيت الطفل الذي كان يبكي لأنه يريد لعبة ولا أملك ثمنها.
رأيت الشاب الذي ترك الجامعة بعد شهور.
رأيت ابني
ثم رأيت الحقيقة من جديد.
قلت بصوت هادئ
إنت ابني وعشان كده لسه ما بلغتش عنك رسميًا.
أمسكت داليا حقيبتها بسرعة.
إحنا ماشيين.
لكن عادل قال
لسه في حاجة أخيرة.
ثم أخرج ورقة مختومة.
تم تقديم طلب حماية بسبب شبهة استغلال مادي وعنف أسري تجاه شخص مسن.
اتسعت عينا كريم.
بلغت عني؟!
قلت بهدوء
لسه لا النهارده كنت مديك فرصة تخرج من هنا كابن مش كمتهم.
نظر كريم إليّ وكأنني طعنته.
وليس كأنني فقط منعتُه من سرقة ما تبقّى من عمري.
قال بصوت منخفض متوتر
إنت مصدق الناس دي أكتر مني؟
أجبت بهدوء متعب
الناس دي عمرها ما دخلت خلسة تفتش في أوراقي.
ساد الصمت ثانية.
ثم فجأة ضرب كريم الكرسي