اتهموها بالنصب لأنها لا تحمل شهادة
المحتويات
مها الكعبي وكنت إحدى ضحايا تلك العقود.
بدأت القاعة تغرق في الفوضى.
بينما وقف القاضي أخيرًا وقال بجملة لم يتوقع أحد أن يسمعها منه
تُرفع الجلسة مؤقتًا ويتم الإفراج عن ياسمين العبدلي فورًا حتى انتهاء التحقيقات الجديدة.
شهقت القاعة.
أما ياسمين
فوقفت مكانها للحظة وكأنها لم تستوعب ما سمعته.
ثم نظر إليها القاضي مباشرة.
وقال بصوت خافت هذه المرة
ويبدو أن المحكمة مدينة لكِ باعتذار أيضًا.
لكن ياسمين لم تبتسم.
لأنها كانت تعرف أن المعركة الحقيقية
لم تبدأ بعد.
ففي الخارج
كان هناك أشخاص أقوى بكثير من خالد السعدي.
وأخطر بكثير من مجرد شركة تزوير عقود.
وكانوا جميعًا يعلمون الآن
أن الفتاة التي حاولوا دفنها ما زالت حيّة.
خرجت ياسمين من قاعة المحكمة وسط ازدحام الصحفيين وعدسات الكاميرات التي كانت تلاحقها من كل زاوية، لكن الغريب أنها لم تشعر بالنصر.
رغم قرار الإفراج عنها
ورغم أن القاضي نفسه اعترف ضمنيًا بأن القضية ربما كانت ملفقة
إلا أن قلبها كان يخبرها أن ما حدث داخل المحكمة لم يكن سوى بداية شيء أخطر بكثير.
كانت تمشي بخطوات بطيئة بين الحراس، بينما تتردد في أذنها جملة خالد السعدي قبل انتهاء الجلسة بلحظات.
حين اقترب منها هامسًا وهو يبتسم ابتسامة باردة
أنتِ لا تفهمين مع من بدأتِ الحرب.
ركبت ياسمين سيارة أجرة بصمت.
وضعت حقيبتها فوق ساقيها، وضمت بداخلها الذاكرة الإلكترونية الصغيرة التي أصبحت الآن أخطر من أي سلاح.
أما في المحكمة
فقد بقي القاضي سالم المنصوري واقفًا داخل مكتبه وحده.
كان ينظر من النافذة إلى سيارات الصحافة المتكدسة في الخارج، لكن عقله لم يكن هناك.
شيء واحد فقط كان يزعجه.
اسم الشركة.
الخليج للاستثمارات الطبية.
هذا الاسم مرّ أمامه سابقًا.
متأكد من ذلك.
جلس خلف مكتبه بسرعة، وبدأ يفتش بين الملفات القديمة المحفوظة في حاسوبه الشخصي.
وبعد دقائق
توقفت يده فجأة.
ظهر أمامه ملف يعود إلى سبع سنوات مضت.
قضية قديمة أُغلقت فجأة دون تفسير.
والأغرب
أن القاضي الذي كان يشرف عليها آنذاك لم يكن سوى والده الراحل حمد المنصوري.
شعر سالم ببرودة تسري في جسده.
فتح الملف بسرعة.
كانت هناك ملاحظات ناقصة، وصفحات محذوفة، وأسماء شركات متداخلة بطريقة غريبة.
لكن أكثر ما صدمه
هو وجود توقيع خالد السعدي في أكثر من مستند.
تراجع سالم في كرسيه ببطء.
وهمس لنفسه
مستحيل
وفي اللحظة نفسها
رن هاتف مكتبه الداخلي.
رفع السماعة.
جاءه صوت سكرتيره متوترًا
سيدي هناك رجل يصر على مقابلتك فورًا.
قال سالم بضيق
من هو؟
أجاب الموظف
يقول إن اسمه راشد الكتبي ويقول إن حياته في خطر.
تغيرت ملامح سالم فورًا.
لأن راشد الكتبي لم يكن شخصًا عاديًا.
بل المدير المالي السابق لشركة الخليج للاستثمارات الطبية.
الرجل الذي اختفى فجأة قبل ثلاث سنوات دون أي أثر.
وقف سالم بسرعة
أدخله فورًا.
لكن بعد ثوانٍ فقط
خرج صوت صراخ وفوضى من خارج المكتب.
فتح سالم الباب بسرعة.
ورأى الموظفين يركضون في الممر.
صرخ
ماذا حدث؟!
اقترب أحد الحراس وهو يلهث
الرجل الرجل سقط أمام باب المحكمة!
ركض سالم نحو الخارج.
وكانت الصدمة بانتظاره.
راشد الكتبي كان ممددًا على الأرض وسط بقعة دم كبيرة.
وعيناه بالكاد مفتوحتان.
انحنى سالم نحوه بسرعة.
همس راشد بصوت متقطع
هم يعرفون كل شيء
اقترب سالم أكثر
من؟!
حاول راشد أن يرفع يده المرتجفة.
وأخرج ورقة صغيرة ملطخة بالدم.
ثم قال بصعوبة
احمِ ياسمين
وفجأة
توقف نفسه.
تجمّد سالم في مكانه.
بينما دوّى صراخ الناس حوله.
أما في الطرف الآخر من المدينة
فكانت ياسمين تصعد درج البناية القديمة التي تعيش فيها مع والدتها المريضة.
فتحت الباب بهدوء.
لكنها توقفت فجأة.
الشقة كانت مظلمة بشكل غريب.
نادَت
أمي؟
لا جواب.
دخلت بسرعة وأضاءت الأنوار.
ثم شهقت بقوة.
المنزل كله كان مقلوبًا رأسًا على عقب.
الأدراج مفتوحة.
الأوراق مبعثرة.
والصور القديمة ممزقة على الأرض.
بدأ قلبها يخفق بعنف.
ركضت نحو غرفة والدتها.
فتحت الباب بسرعة.
لتجد والدتها جالسة على السرير ترتجف وهي تبكي.
أسرعت إليها
أمي! ماذا حدث؟!
أمسكتها والدتها بقوة وقالت بصوت مرتعب
كانوا هنا يا ياسمين كانوا يبحثون عن شيء.
شعرت ياسمين ببرودة مرعبة.
سألتها
من؟!
لكن والدتها لم تجب مباشرة.
بل مدت يدها المرتجفة نحو الطاولة الصغيرة بجانب السرير.
كان هناك ظرف أبيض.
أخذته ياسمين بسرعة وفتحته.
وفي الداخل
وجدت صورة لها وهي خارجة
وتحت الصورة جملة قصيرة مكتوبة بحبر أسود
المحكمة حمتك اليوم لكننا لسنا المحكمة.
ارتجفت أصابعها.
وفي أسفل الورقة
كان هناك شعار صغير جدًا بالكاد يُرى.
شعار ذهبي على شكل صقر.
تجمّدت ياسمين فور رؤيته.
لأنها رأت هذا الشعار من قبل.
على أحد العقود السرية الموجودة داخل الذاكرة الإلكترونية.
وفي تلك اللحظة تحديدًا
رن هاتفها.
رقم مجهول.
ترددت للحظة.
ثم أجابت.
خرج صوت رجل هادئ جدًا
مساء الخير يا آنسة ياسمين.
قالت بحذر
من أنت؟
ضحك الرجل بخفة.
ثم قال
شخص كان يراقبك منذ وقت طويل وشخص يعرف أنكِ فتحتِ أبوابًا لا يجب فتحها.
قالت بغضب
ماذا تريدون مني؟!
أجابها بهدوء مرعب
نريد الذاكرة الإلكترونية فقط وبعدها تختفين من حياتنا ونختفي من حياتك.
صرخت
لن أعطيكم شيئًا!
ساد صمت قصير.
ثم قال الرجل جملته ببطء شديد
إذًا أخبري والدتك أن تستمتع بالليلة الأخيرة في منزلها.
وانقطع الخط.
تجمّدت ياسمين بالكامل.
أما والدتها
فبدأت تبكي بصمت وهي تهمس
قلت لكِ يا ابنتي هؤلاء ليسوا بشرًا عاديين
لكن ياسمين رفعت رأسها ببطء.
ولأول مرة منذ بداية القضية
اختفى الخوف من عينيها.
وحلّ مكانه شيء آخر.
الغضب.
لأنها فهمت أخيرًا
أنهم لم يريدوا إسكات مترجمة فقيرة فقط.
بل كانوا يريدون دفن كل شخص يعرف الحقيقة.
لأنها فهمت أخيرًا
أنهم لم يريدوا إسكات مترجمة فقيرة فقط.
بل كانوا يريدون دفن كل شخص يعرف الحقيقة.
وقفت ياسمين وسط الغرفة
أما هي
فلم تعد تشعر بالخوف كما في البداية.
كان هناك شيء انكسر داخلها في تلك اللحظة.
شيء جعلها تدرك أن الهروب لن
متابعة القراءة