حكايتي مع ابني حكايات زهره

لمحة نيوز

قهر.. دي كانت دموع فرج، فرج ربنا اللي مبيظلمش حد، واللي جابلي حقي لحد عندي في نفس اللحظة اللي كسروا فيها خاطري. بصيت لفوق وقولت يا رب، انت العدل، انت اللي عالم بشقايا وتعبي.. الحمد لله.
الحاج مصطفى على الناحية التانية من الخط كان عمال ينادي يا منال.. يا بنتي انتي معايا؟ سامعاني؟
مسحت دموعي بسرعة وقولت بصوت قوي، لأول مرة من سنين أحس بالقوة دي معاك يا حاج مصطفى.. معاك. أنا بكرا الصبح من النجمة هكون عندك في البلد، هركب أول عربية وأجيلك عشان نخلص كل حاجة.
تنوري يا بنتي، ومبروك عليكي، ربنا يعوضك عن كل أيام الحرمان.
قفل السكة، وأنا فضلت واقفة في مكاني، ببص لبلكونة شقة حازم.. كانت الأنوار قايدة، وتخيلتهم قاعدين جوة، عبد السميع وميرفت وشيماء وحازم، بياكلوا البط والمحشي اللي أنا طبختهم وعرق شقايا نزل فيهم، وعمالين يقطعوا في فروتي ويفصلوا عليا ال 2000 جنيه! ضحكت بمرارة وقولت في نفسي بقى أنا يا حازم استاهل ألفين جنيه؟ والبيت القديم المهدود اللي قولتلي روحي اترمى فيه عشان توفري الإيجار، هو اللي جابلي ال 40 مليون؟ سبحان مغير الأحوال!
في الليلة دي مجمعتش نوم، كنت قاعدة في شقتي الإيجار البسيطة، باصة للسقف ومستنية النهار يشقشق. أول ما الشمس طلعت، كنت لابسة عبايتي السمرة، ولميت ورقة البيت القديم وكل الأوراق الرسمية اللي تخص أبويا الله يرحمه، ونزلت.
وصلت البلد، وقابلت الحاج مصطفى، وكان معاه المحامي والمسؤولين عن لجنة التعويضات. قعدنا في مكتب رسمي، ومضيت على كل الأوراق وبصمت. الإجراءات خلصت بسرعة البرق لأن كل حاجة كانت جاهزة ومعتمدة من المحافظة. الموظف بصلي بابتسامة وقالي مبروك يا ست الكل، الشيك باسمك أهو، وخلال ساعات الفلوس هتسمع في حسابك البنكي.
أخدت الشيك ورحت على البنك، فتحت حساب، وحطيت الفلوس. الموظف بتاع البنك كان بيبصلي بذهول، الست اللي لابس عباية بسيطة وشكلها شقيانة، داخلة تفتح حساب ب 40 مليون جنيه! سألني باحترام مبالغ فيه تحبي يا فندم نطلعلك كارت في آي بي؟ وتحبي الخدمات إيه؟
قولتله بهدوء أنا عايزة بس رسالة تجيلي على التليفون لما الفلوس تدخل الحساب، ومش عايزة أكتر من كده دلوقتي.
عدى يومين، وأنا قافلة تليفوني تماماً عن حازم وعن أي حد. كنت قاعدة في الشقة، لحد ما تليفوني نور ورن رنة الرسائل. فتحت الرسالة، لقيت مكتوب تم إيداع مبلغ 40000000 جنيه
مصري في حسابكم.
في اللحظة دي، قلبي دق جامد، وحسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. قومت اتوضيت وصليت ركعتين شكر لله، وبعد ما خلصت، فتحت تليفوني.
طبعاً أول ما التليفون اشتغل، لقيت رسايل ومكالمات فايتة من حازم. وبعدها ب 10 دقائق بالظبط، لقيت حازم بيتصل. رديت عليه بنبرة هادية جداً أيوة يا حازم.
قالي بصوت فيه ضيق جرى إيه يا ماما؟ بقالك يومين قافلة تليفونك ليه؟ وشيماء كانت بتصل بيكي عشان تقولي ليكي على معاد الفلوس اللي هبعتهالك وموبايلك غير متاح! قلقتينا عليكي.
قولتله متقلقش يا حازم، أنا كويسة، كنت في مشوار مهم.
قالي بلهفة مشوار إيه؟ طب اسمعي، أنا حولتلك ال 2000 جنيه بتوع الشهر ده على المحفظة الإلكترونية، ابقي اسحبيهم عشان تجيبي طلباتك، والشهر الجاي هبقى أشوف لو فاضل معايا حاجة أزودهم.
ضحكت بصوت عالي، ضحكة هزت أركان الشقة. حازم استغرب وقالي بتضحكي على إيه يا ماما؟ هو أنا بقول نكتة؟
قولتله بضحك على الدنيا يا حازم.. اسمع يا ابن بطني، ال 2000 جنيه بتوعك دول خليهم في جيبك، أو اديهم لطنط ميرفت تجيب بيهم علاج للكوليسترول، أنا مش عايزة منك مليم.
يعني إيه مش عايزة؟ هتجيبي منين؟
قولتله ببرود شديد أصل ربنا رزقني برزق كبير قوي.. البيت القديم اللي أبوك قالي إنه مهدود وملوش لازمة، واللي انت قولتلي روحي عيشي فيه عشان أوفر الإيجار.. دخل في الإزالة والتعويض بتاعه نزل.
حازم سكت ثانية، وبعدين قال بنبرة استهزاء تعويض إيه يا ماما؟ هو البيت الطين ده هيجيب كام يعني؟ 50 ألف؟ 100 ألف؟ دول ميعملوش حاجة في الأيام دي!
قولتله بثقة وقوة لأ يا بشمهندس.. البيت والجنينة اللي وراه طلعوا في خط المحور الجديد، والتعويض نزل رسمي ب 40 مليون جنيه! والفلوس دلوقتي في حسابي في البنك.
السكون حل في الخط.. مكنتش سامعة غير صوت نفس حازم اللي بدأ يعلو وينزل وهو مش مصدق.
أ.. كام يا ماما؟ انتي بتقولي كام؟ 40 مليون؟!
قولتله آه يا حازم، 40 مليون جنيه ينطح جنيه، من اللي انت وشيماء وأبوك ومراته كنتوا بتقولوا إني هجوع من غير ال 2000 جنيه بتوعكم.. يالّا يا حبيبي، أسيبك أنا بقى عشان ورايا مشاوير. وقفلت السكة في وشه!
مفيش خمس دقائق، ولقيت التليفون مبيطلش رن! حازم بيتصل ورا التاني، وبعدين شيماء، وبعدين لقيت رقم عبد السميع نفسه بيتصل! طبعاً عملت للتليفون صامت، ونزلت عشان أشوف حالي.
أول حاجة
عملتها، رحت لمكتب عقارات كبير في منطقة راقية. قولت لصاحب المكتب أنا عايزة شقة تمليك، تكون واسعة وفي مكان نضيف، وعايزاها جاهزة على المفتاح وتشطيب سوبر لوكس.
الراجل فرجني على كذا شقة، واخترت شقة دور أرضي بحديقة صغيرة، شبه الفيلات، دفعت تمنها كاش، واشتريت عفش جديد غالي وأنضف نوع في السوق. وفي أقل من أسبوع، كنت ناقلة
حاجتي وقاعدة في شقتي الجديدة، ومأجرة ست طيبة وبنت حلال تقعد معايا، تطبخ وتعمل معايا طلبات البيت، عشان أنا رجلي وضهري ميبقوش في التعب ده تاني.
بعد أسبوعين، كنت قاعدة في جنينة شقتي الجديدة، بشرب الشاي، ولقيت الباب بيخبط. الشغالة فتحت، ولقيتها داخلة بتقولي يا ست منال، فيه واحد بيقول إنه ابنك، ومعاه واحدة ست وراجل كبار، وعايزين يدخلوا.
عرفت هما مين.. قولت لها دخليهم يا بنتي.
دخل حازم، ووراه عبد السميع، ووراه ميرفت! شيماء مكنتش معاهم، باين عليها اتكسفت تيجي أو حازم حب يظبط العمل الأول.
حازم دخل وعينيه مبرقة وهو بيبص على الصالون الفخم والنجف والفرش، وعبد السميع عينه كانت هتطلع على الحيطان واللوحات.
حازم قرب مني ووشه جايب ألوان، وقال بنبرة كلها مسكنة وتمثيل أهلاً يا أمي.. ماشاء الله، إيه المكان الجميل ده؟ بقالنا أسبوعين بنلف عليكي ومش عارفين طريقك، ولولا إن جارتك القديمة قالتلنا إنك نقلتي هنا مكنّاش هنوصلك.
قعدت وحطيت رجل على رجل، وبصيتلهم ببرود خير يا حازم؟ جايين ليه؟ مش أنا كفاية عليا ال 2000 جنيه والبيت القديم؟
عبد السميع حشر نفسه بسرعة وضحك ضحكته الصفرا وقال يا أم حازم، المسامح كريم! ده احنا أهل وعيلة، والواد حازم مكنش يقصد، ده كان بيحسب الحسبة بس على قد مرتبه، ومكنش يعرف إن ربنا شايلك الخير ده كله!
ميرفت هي كمان غيرت جلدها وقالت بضحكة ملوية مبروك يا حبيبتي الشقة والفلوس، تستاهلي كل خير والله، ده أنا طول عمر الخمس سنين دول بقول لعبد السميع أم حازم ست طيبة وتستاهل كل رضا.
بصيت لميرفت وقولت لها الطيب ده ملوش مكان وسطكم يا أم حازم.. قصدي يا طنط ميرفت! انتي مش كنتي بتقولي عليا نكدية ومنشفة دم جوزك؟ وأبو حازم مش قالي إن دكانتي المهدودة مكنتش بتجيب ألفين جنيه؟
عبد السميع وشه احمر وبلع ريقه يا منال يا أم ابني.. الماضي مات، واحنا ولاد النهارده. والواد حازم أولى بيكي، والفلوس دي برضه لازم تتحط في مكان صح، وحازم مهندس وبيفهم في الاستثمار
و...
قاطعته بقوة وزعقت استثمار؟! انت جاي تفكر في فلوسي يا عبد السميع؟ انت نسيت نفسك؟ انت مطلقني من عشرين سنة ورامي ابنك، وجاي دلوقتي عشان الفلوس؟
التفت لحازم وقولتله وانت يا بشمهندس.. يا اللي حسبتها بالورقة والقلم، وقولت إن طنط ميرفت عيانة وتعبانة وتستاهل 10 تلاف جنيه فوق معاش جوزها، وأمك اللي شقيت وعرقت ودفعت دم قلبها عشان تبقى مهندس، تستاهل 2000 جنيه.. جاي دلوقتي ليه؟
حازم دموعه نزلت أو مثل إنها نزلت وقعد على ركبه قدامي ومسك إيدي يا ماما سامحيني.. أنا غلطت، الشيطان وزّني أنا وشيماء، شيماء هي اللي فضلت تقولي المصاريف والالتزامات لحد ما عمت عيني.. بس انتي أمي، ومقدرش أستغنى عنك.
سحبت إيدي من إيده بقوة وقومت وقفت شيماء؟ دلوقتي بقيت ترمي الحمل على مراتك؟ لما كنت واقف في صالتك وبتقولي وضعك مختلف ومبتصرفيش وال 2000 جنيه ببركة ربنا هيكفوا، مكنتش شيماء اللي بتتكلم، كنت انت! انت اللي استخسرت في أمك اللقمة، وانت اللي رضيت إن أبوك ومراته يتهكموا عليا ويهينوا شقايا وعمري!
بصيتلهم تلاتتهم وقولت بصوت زلزل المكان اسمعوا بقى انتوا التلاتة.. الفلوس دي فلوسي أنا، شقايا أنا وصبر أبويا الله يرحمه. مليم واحد مش هيطلع منها لأي حد فيكم. عبد السميع.. تاخد الهانم بتاعتك وتطلع برة بيتي، ورجلك متبقاش عتبة المكان ده تاني، وإلا هطلب الأمن يرميكم برة!
عبد السميع وميرفت قاموا وهما بيبرطموا، ووشوشهم سودا من الغل والكسفة، وخرجوا يجروا ذيول الخيبة.
فضل حازم واقف، عمال يبصلي برجاء يا ماما.. طب وأنا؟ أنا ابنك حتة منك!
بصيت له بحزن حقيقي، الحزن على العمر اللي ضاع في تربيته انت ابني آه يا حازم.. بس انت اللي بعتني الأول ورخصتني قدام الغريب والقريب. ال 2000 جنيه بتوعك هردخملك كل شهر على محفظتك، عشان تعرف إن أمك متبقاش حساباتها ضيقة، وعشان كل ما تشوف ال 2000 جنيه دول يوصلولك، تفتكر تمن حسبتك الظالمة، وتفتكر إنك بعت أمك بالرخيص وربنا اشتراني بالغالي!
حازم بكي بجد وعرف إن مفيش فايدة، وإن الست اللي كانت بتستحمل عشان خاطره، خلاص قلبها قسي من كتر الظلم. لف وشه وخرج وهو جير خطاويه ودموعه على خده، وندمان ندم عمره، بس الندم جيه متأخر.
قفلت الباب وراهم، ورجعت قعدت في جنينتي، وبصيت للسما وقولت يا رب، دايماً بتنصر المظلوم ولو بعد حين. وعشت من يومها ملكة في بيتي، بفلوسي وبكرامتي
اللي مفيش أي مال في الدنيا يقدر يشتريها.

تم نسخ الرابط