بنتي قالت في راجل غريب

لمحة نيوز

 

جريت عليها: — سيبيه… سيبيه وأنا أعمله.

ضحكت وهي بتسند نفسها على الرخامة: — متبصليش كأني هقع دلوقتي.

بس الحقيقة؟ كنت خايف كل ثانية.

سونيا بدأت تلاحظ التغيير. الأطفال بيفهموا الحزن حتى لو ماعرفوش يشرحوه. بقت تقرب من أمها أكتر.  فجأة من غير سبب. ترسم لها قلوب كتير وتحطها تحت المخدة.

وفي ليلة، دخلت أوضتها ألاقيها صاحيه.

— لسه منمتيش؟

قالت وهي باصة للسقف: — ماما هتموت؟

الجملة نزلت على صدري كأن حد ضربني بخشبة.

قعدت جنبها بسرعة. — ليه بتقولي كده؟

— أصل المدرّسة قالت إن الناس اللي بتروح المستشفى كتير بيكونوا تعبانين أوي.

بلعت ريقي بالعافية.

— ماما عندها تعب… بس الدكاترة بيعالجوها.

بصتلي بعينيها الواسعة وقالت: — بس إنت بتعيط في الحمام.

قلبي وقف.

الأطفال بيسمعوا كل حاجة. حتى صوت الكتمة.

 جامد وهي صغيرة جوا  بشكل يكسّر. — أنا بخاف بس… عشان بحبها.

سونيا سكتت شوية، وبعدين قالت: — وأنا كمان.

بعدها بأسبوع، مراتي وقعت لأول مرة.

كنا بنتعشى عادي جدًا. سونيا بتحكي موقف عن بنت صاحبتها في المدرسة، وأنا بضحك بالعافية عشان أشاركهم اللحظة. مراتي قامت تجيب عصير… وفجأة الكوباية وقعت من إيدها.

وبعدين هي وقعت بعدها بثانية.

الصوت لسه محفور في ودني لحد النهارده.

صرخت باسمها وجريت عليها. وشها كان أبيض بطريقة مرعبة، ونفسها سريع جدًا كأنها غرقت وبتطلع آخر هوا.

سونيا بدأت تعيط بشكل

هستيري: — ماما! ماما قومي!

شلتها بين إيديا وأنا حرفيًا مش حاسس بنفسي. الطريق للمستشفى كان ضباب. إشارات، كلاكسات، نور أحمر، دعوات متلخبطة طالعة مني وأنا سايق.

طول الطريق كانت إيدي ماسكة إيدها الباردة. — بصّيلي… بصّيلي يا حبيبتي.

لكن عينيها كانت بتقفل بالعافية.

في الطوارئ خدّوها مني بسرعة. باب أبيض اتقفل في وشي، وأنا واقف برا عاجز لأول مرة في حياتي بالشكل ده.

سونيا كانت لازقة في رجلي بترتعش. — ماما هترجع صح؟

ماعرفتش أرد.

ودي كانت أول مرة بنتي تشوفني ساكت.

الساعات دي كانت جحيم. ريحة المطهرات، صوت الأجهزة، الممرضات اللي ماشية بسرعة، والناس اللي قاعدة مستنية أخبار ممكن تهد عمر كامل.

بعد حوالي ساعتين، الدكتور خرج.

وشه ماكانش مريح.

قال إن جسمها بقى أضعف من المتوقع، وإن العلاج مبقاش بيجيب نفس النتيجة. وإنهم محتاجين يبدأوا خطوات أقوى.

قعدت على الكرسي كأن ضهري اتكسر.

سونيا كانت نايمة على كتفي وقتها، وشعرها داخل في وشي، وأنا لأول مرة حسيت إني خايف من بكرة حرفيًا.

لما سمحوا لنا نشوفها، دخلت الأوضة وأنا متردد.

مراتي كانت متوصلة بأجهزة أكتر من اللي أقدر أستوعبه. إبرة في إيدها، جهاز بيراقب نبضها، ووشها مرهق جدًا… بس أول ما شافتني حاولت تبتسم.

أنا ابتسمت غصب عني عشانها.

قربت منها وبست راسها.

همست: — آسفة خوفتكم.

ضحكت بمرارة: — إنتي لسه بتعتذري؟

سونيا طلعت على السرير جنبها بحذر، وخدت إيد أمها

الصغيرة بين إيديها.

— أنا رسمتلك رسمة.

طلعت ورقة متكرمشة من شنطتها. كانت رسمة لتلاتة ماسكين إيد بعض تحت شمس كبيرة. الأم مرسومة أكبر شوية مننا كلنا.

مراتي بصتلها وبدأت تعيط بصمت.

سونيا اتوترت: — ليه بتعيطي؟ وحشة؟

مراتي هزت راسها بسرعة: — دي أحلى رسمة شوفتها في حياتي.

بعد الليلة دي، سونيا بقت تنام عند أختي أغلب الوقت. كنا بنقول لها إن ماما محتاجة راحة، لكنها كانت أذكى من الكدب البسيط ده.

في مرة وأنا بوديها المدرسة، سألتني: — لو ماما راحت السما… هتفضل تحبني؟

العربية كلها سكتت.

وقفت على جنب فجأة عشان ماعرفتش أسوق.

لفّيت لها ودموعي نازلة غصب عني. — اسمعيني كويس… مامتك بتحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا. ومفيش أي حاجة… أي حاجة… ممكن تغيّر ده.

 وقالت: — وأنا مش عايزة غيرها.

الجملة دي فضلت تقتلني أيام.

مراتي بدأت تكتب.

دفتر صغير أزرق كانت بتخبيه في درج الكومودينو. لاحظته مرة وهي بتقفله بسرعة أول ما دخلت.

ماكنتش عايز أتطفل… لكن الفضول والخوف كانوا بياكلوني.

وفي يوم وهي في الحمام، فتحته.

أول صفحة كانت مكتوب فيها: "لسونيا… لو أنا مقدرتش أبقى جنبك."

وقتها حسيت الدنيا اسودت.

إيديا بدأت ترتعش وأنا بقلب الصفحات.

كانت كاتبة لها رسايل لكل مرحلة في عمرها. لما تدخل إعدادي. لما أول حد يكسر قلبها. لما تتخرج. لما تتجوز. حتى لما تبقى أم.

نصايح. حكايات. أسرار صغيرة عنها وهي بيبي. قد إيه كانت بتخاف

أول مرة شالتها. وقد إيه أنا فضلت ألف بيها الصالة ساعة كاملة وأنا بغني غلط عشان تسكت.

كنت بقرأ والدموع بتنزل على الورق.

وفجأة سمعت صوت مراتي ورايا.

— كنت عارفة إنك هتفتحه يوم.

لفّيت بسرعة وأنا حاسس إني اتقفشت.

لكنها مازعلتش.

بالعكس… كانت باصة للدفتر بحزن هادي.

قلت بصوت مخنوق: — ليه بتكتبي الحاجات دي؟

سكتت شوية. — عشان لو مقدرتش أكمل… يبقى فيه جزء مني يفضل معاها.

قمت  فورًا، بعنف تقريبًا. — ماتقوليش كده تاني.

ولأول مرة… حسيت إنها  وهي خايفة فعلًا.

خايفة تمشي.

الأيام بعد كده بقت خليط بين الأمل والرعب.

يوم تحليل يطلع أحسن شوية فنضحك. وأسبوع كامل تتعب فيه وماتقدرش تقوم من السرير.

لكن رغم كل ده… عمرها ما بطلت تبقى أم.

حتى وهي مرهقة، كانت تسأل سونيا أكلت ولا لأ. ذاكرت واجبها ولا لأ. لبست الجاكيت الصبح ولا لأ.

وفي ليلة مطر، الكهربا قطعت.

كنا قاعدين كلنا في الصالة على ضوء الشموع.

سونيا نامت في  أمها، والمطر بيخبط في البلكونة بهدوء.

مراتي بصتلي فجأة وقالت: — فاكر أول يوم شوفنا بعض؟

ابتسمت رغم وجعي. — كنتي لابسة أخضر.

ضحكت بخفة: — وكنت متنرفز عشان القهوة وقعت عليك.

— وانتي ضحكتي عليا.

سكتنا شوية.

وبعدين قالت بهدوء: — أنا مش خايفة أموت قد ما أنا خايفة أنساكم.

قلبي اتقبض لدرجة وجعتني.

مسكت وشها بين إيديا: — إنتي عمرك ما هتتنسى. فاهمة؟ حتى لو عدى مية سنة.

بصتلي وقتها

بنظرة عمري ما هنساها… نظرة حب وتعب ووداع مستخبيين في بعض.

وفي اللحظة دي بالذات… سمعت سونيا وهي نايمة بتهمهم وسط النوم:

— متسبونيش لوحدي…

وساعتها أنا ومراتي بصينا لبعض… وانكسرنا إحنا الاتنين.

تم نسخ الرابط