قالت لمستر تامر: أنا مش قادرة أقعد… وبعدها انكشفت أبشع حقيقة
كل أسبوع.
في أول زيارة، جنا كانت لسه ساكتة.
بس في الزيارة الخامسة
حصل شيء مختلف.
من أول ما تامر دخل غرفة الجلسات، سمع صوت خطوات صغيرة بتجري بسرعة فوق أرضية الممر.
ولأول مرة منذ عرفها
جنا هي اللي جريت عليه.
كانت ماسكة ورقة كبيرة بإيديها الصغيرة، وشعرها مربوط بعشوائية، وأنفاسها متقطعة من كتر الجري.
وقفت قدامه مباشرة، وعينيها فيها لمعة غريبة ماشفهاش فيها قبل كدة.
وقالت بحماس طفولي بريء
مستر تامر بص!
تامر أخد الورقة منها بهدوء.
وفي اللحظة اللي عينه وقعت فيها على الرسمة
حس قلبه وقف ثانية كاملة.
كانت رسمة بسيطة جدًا.
بيت صغير بسقف أحمر.
وشمس كبيرة طالعة فوق البيت.
وشجرة خضرا جنب الباب.
وبنت صغيرة واقفة وهي مبتسمة.
لكن الشيء اللي هزّه من جواه فعلًا
إن الورقة ماكانش فيها أي خطوط حمرا.
ولا دوائر مقفولة.
ولا بقع سودة.
ولا شخص بيصرخ.
ولا بنت مستخبية في الركن زي كل مرة.
أول مرة
جنا
فضل باصص للرسمة شوية طويلة لدرجة إنها بدأت تتوتر.
عضّت شفايفها الصغيرة وقالت بخوف
وحشة؟
تامر رفع عينه لها بسرعة، وهز راسه فورًا
لا دي حلوة أوي.
وبعدين سألها بصوت هادي
وده مين؟
جنا بصت للبنت اللي في الرسمة
ولأول مرة من شهور كاملة
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة وضعيفة
بس حقيقية.
وقالت
دي أنا وأنا مبسوطة.
تامر حس حاجة كسرت جواه.
لأن البنت اللي كانت بترسم نفسها طول الوقت بخطوط متكسرة ووشوش من غير ملامح
بدأت أخيرًا تشوف نفسها إنسانة تستحق تكون موجودة.
حاول يخفي دموعه، فبص للرسمة مرة تانية وقال بابتسامة
والبيت ده بيت مين؟
جنا قربت منه وهمست كأنها بتحكي سر كبير
البيت اللي محدش بيزعق فيه.
الكلمة نزلت على قلبه كأن حد ضغط عليه بإيده.
طفلة صغيرة
كل حلمها في الحياة
بيت هادي.
بس.
وفي باقي الجلسة، جنا كانت مختلفة.
لأول مرة طلبت ألوان بنفسها.
ولأول مرة ضحكت لما اللون الأصفر
حتى الممرضة وقفت تبص عليها باستغراب، لأنها عمرها ما شافتها تلعب مع الأطفال التانيين.
أما تامر
فكان قاعد بعيد يراقبها بصمت، وحاسس إن كل التقارير اللي كتبها، وكل الاجتماعات اللي اتخانق فيها، وكل التحذيرات اللي بعتها للمسؤولين
ما راحتش هدر.
يمكن محدش صدقه وقتها.
يمكن الإدارة حاولت تسكته.
يمكن خسر شغله فعلًا بعد ما أصر يبلغ عن اللي بيحصل.
لكن البنت دي
كانت بدأت ترجع للحياة.
وفي آخر الجلسة، الأطفال خرجوا يلعبوا في الساحة الصغيرة برا الغرفة.
جنا جريت كام خطوة
وبعدين وقفت فجأة.
لفّت ببطء ناحية تامر.
وكأن في سؤال كان محبوس جواها بقاله سنين.
رجعت تمشي ناحيته بهدوء.
وبصت له بعينيها الواسعة وقالت بصوت واطي جدًا
هو أنا كنت وحشة عشان كانوا بيعملوا فيا كدة؟
السؤال كان أصعب من أي تقرير.
أصعب من أي قضية.
وأصعب من أي مواجهة خاضها في حياته.
تامر نزل لمستواها فورًا.
ركب على
كان صوته مكسور وهو بيقول
لا يا جنا
وسكت ثانية يحاول يبلع الغصة اللي في حلقه.
ثم كمل
الوحشين هما اللي كانوا بيأذوا طفلة بريئة ويقنعوها إنها السبب.
جنا فضلت باصة له شوية طويلة.
كأنها بتحاول تصدق.
كأن عقلها الصغير طول عمره متعود يسمع العكس.
متعود يسمع إنها مزعجة.
غلط.
تقيلة.
سبب المشاكل.
ثم نزلت بعينيها للرسمة اللي في إيدها.
حضنتها لصدرها بهدوء
وبصوت طفولي دافي قالت
يبقى أنا هرسم نفسي حلوة من دلوقتي.
في اللحظة دي
تامر حس إن الدنيا كلها سكتت حواليه.
لا صوت أطفال.
لا صوت ممرضات.
لا حتى صوت التكييف القديم اللي كان دايمًا مزعج.
بس الجملة دي هي اللي فضلت تتردد جواه.
هرسم نفسي حلوة من دلوقتي.
طفلة صغيرة
قررت أخيرًا تبطل تشوف نفسها بعين الناس اللي كسروها.
وعرف وقتها
إنه فعلًا خسر شغله.
وخسر منصبه.
وخسر مستقبله المهني اللي تعب فيه سنين.
لكن في المقابل
أنقذ
وكل الناس حواليها قرروا يبصوا الناحية التانية وكأنهم مش شايفين حاجة.