اتصلت بي ابنتي بعد ثلاث سنوات من دفنها… لكن صوت أمي خلفها كان الكابوس الحقيقي
الطاولة.
قرأتها نادية.
وعندما وصلت إلى النهاية، كانت يداها ترتجفان بشدة حتى لم تستطع الإمساك بالورقة.
قالت
مريم هل هذا حقيقي؟
قلت
حقيقي.
نظرت إليّ أختي.
وقالت شيئًا لم أكن أتوقعه
إذن أنا أيضًا لا أعرف من أكون.
لكن هذا
كان مشكلة لوقت لاحق.
قلت
نادية. أين سلمى بالضبط؟
في غرفة الضيوف. في الخلف. النافذة التي تطل على الحديقة تبقى دائمًا مفتوحة قليلًا، لأن أمي تقول إن رائحة الغرفة رطبة.
ابتسمت.
تلك النافذة كانت مفتوحة قليلًا منذ كنت في الثانية عشرة.
أمي لا تتعلم أبدًا.
دخلنا من فوق سور الحديقة.
أنا ونادية.
كما كنا نفعل ونحن صغيرتان، عندما كنا نختبئ من صراخ أمي.
كانت النافذة مفتوحة قليلًا.
اقتربت ونظرت إلى الداخل.
كانت هناك طفلة.
جالسة على السرير.
ترسم.
شعرها مقصوص بطريقة غير متساوية، كأنها قصّته بنفسها بالمقص.
كانت أكبر مما يجب أن تكون في ذاكرتي
لكن بالطبع، كانت ثلاث سنوات قد مرت.
رفعت وجهها.
رأتني.
لم تصرخ.
لم تركض.
تركت القلم.
ببطء.
كما يترك الإنسان شيئًا لم يعد يحتاج إليه.
مشت حتى النافذة.
وقالت بصوت منخفض جدًا
كنت أعرف أنكِ ستأتين.
قلت
يا روحي.
قالت
جدتي تقول إنك لا تحبينني.
قلت
جدتك تكذب يا حبيبتي.
هزّت سلمى رأسها مرة واحدة.
من دون دهشة.
كنت أعرف.
كانت نادية خلفي تبكي من دون صوت.
قالت أختي
سلمى هل تستطيعين الخروج من النافذة يا حبيبتي؟ بهدوء.
وماذا عن جدتي؟
قلت، من دون أن أعرف إن كان ذلك صحيحًا، لكنني راهنت عليه، لأن الساعة كانت السابعة مساءً، وأمي منذ أربعين عامًا تستحم عند السابعة مساءً
جدتك تستحم.
أطلّت سلمى من النافذة.
نظرت إلى نادية.
ثم نظرت إليّ.
وسألتني سؤالًا جعلني أفهم أن ابنتي كبرت ثلاث سنوات من دوني، وأن تلك السنوات كانت لها لا لي، وأنني لن أستعيدها أبدًا
وهل سيأتي أبي معنا؟
نظرت أنا ونادية إلى بعضنا.
قلت لها
لا يا حبيبتي. أبوك لن يأتي.
سكتت سلمى ثانية.
ثم قالت بصوت منخفض جدًا
حسنًا.
وتسلقت
قدت السيارة حتى الدار البيضاء من دون أن أتكلم.
كانت سلمى في المقعد الخلفي، مغطاة بمعطف نادية.
وأختي كانت في المقعد الأمامي، والهاتف ملتصق بأذنها، تتصل بابنة خالتي ليلى، المحامية.
عند الحادية عشرة ليلًا، توقفت في محطة وقود على الطريق.
اشتريت لسلمى شطيرة وعصيرًا.
أكلت الشطيرة في ثلاث قضمات.
كانت قد قضت سنوات تأكل فقط ما تقرره أمي.
قالت
ماما؟
قلت
نعم يا روحي؟
جدتي لديها دفتر.
أي دفتر يا حبيبتي؟
دفتر أخضر. تخفيه تحت الفراش. رأيته مرة. فيه رسائل. رسائل كثيرة. من رجل.
استدارت نادية نحونا.
أي رجل يا سلمى؟
لا أعرف. أنا لا أستطيع قراءة الخط المتصل بعد. لكن في بعض الأوراق كان مكتوبًا اسم سامي. وأنا أعرف هذا الاسم. إنه اسم أبي.
بقيت أنا ونادية صامتتين.
أنهت سلمى العصير.
ثم سألت
هل أبي سيئ لأنه كان يكتب رسائل لجدتي؟
قلت لها بصدق، للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات
لا أعرف بعد يا حبيبتي. لكننا سنعرف قريبًا.
عند
قبل أن أنزل من السيارة، شغّلت هاتفي.
كانت هناك ثلاث وأربعون مكالمة فائتة من سامي.
ورسالة نصية واحدة.
سطر واحد فقط
حبيبتي، أين أنتِ؟ أنا قلق عليكِ.
حذفت الرسالة من دون أن أرد.
ثم أخرجت رسالة أبي من جيبي.
طويتها.
وأعدتها إلى الظرف.
وكتبت فوقه، بأكثر خط ثابت استطعت كتابته
إلى نادية.
عندما يحين الوقت.
لم يكن على أختي أن تعرف اليوم.
اليوم كان يوم سلمى.
غدًا سيكون يوم نادية.
وبعد غد
بعد غد سيكون يوم معرفة من هو الرجل الذي نمت بجانبه خمسة عشر عامًا.
لكن ذلك الجزء كان يمكنه الانتظار.
ذلك الجزء كنت سأعرفه ببطء.
بالمحامين.
وبالمحققين.
وبالوقت.
لأنني لم أعد مستعجلة.
كانت ابنتي نائمة في المقعد الخلفي، ورأسها مستند إلى كتف خالتها.
ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، لم تكن مدفونة.
كانت نائمة.
وهناك فرق.
وفي الثانية صباحًا، في موقف السيارات أمام بيت ابنة خالتي، وابنتي تتنفس في الخلف،
لأول مرة في حياتي
كان ذلك الفرق لي أنا.