الزواج الذي بدأ بعقد… وانتهى بقلب لا يعرف الهروب
صوتًا مكسورًا.
قالت
كنت تعرف؟
أغمض الرجل العجوز عينيه.
قال
كنت أشك.
قالت
ابني مات!
قال
وجبني سمح بذلك.
ولأول مرة، رأيت ريما تنظر إلى والدها دون خوف.
فقط باشمئزاز.
قالت
لا تقل أبدًا إنك كنت تحمي العائلة.
وصل الإسعاف وسط الصراخ ووميض الكاميرات.
كان أحدهم قد اتصل بالشرطة.
تراجع الضيوف الأنيقون وكأن العنف مرض معدٍ.
وتمكنت من رؤية فارس مكبل اليدين قبل أن أفقد الوعي.
استيقظت في مستشفى خاص.
كانت ريما نائمة على كرسي بجانب سريري، ويدها فوق يدي.
كان مكياجها ملطخًا، وملابسها مجعدة.
بقيت أحدق بها فقط.
لم تبدُ خطيرة.
بدت محطمة.
وعندما فتحت عينيها، لم تبتسم.
قالت
لقد نجوت.
قلت
حظ سيئ لعقدكِ.
غطّت فمها.
لم تكن تعرف هل تضحك أم تبكي.
قالت
فارس في الحجز. ماجدة أدلت بشهادتها. وأبي سلّم التسجيلات. كما وافق على الشهادة بخصوص جلال.
سألتها
وأنتِ؟
قالت
تنازلت عن الصندوق العائلي.
نهضت متألمًا.
قلت
ماذا؟
قالت
لا أريد شركة تحتاج إلى أزواج موتى كي أحصل على الاحترام.
قلت
ريما
قالت
كما ألغيت عقدنا. قانونيًا، ما زلنا متزوجين، لكنك لا تدين لي بأي شيء بعد الآن. لا وجودك، ولا ابتساماتك، ولا عامًا من حياتك. لا شيء.
كان الصمت مختلفًا.
لم يكن فارغًا.
كان مساحة مفتوحة.
سألتها
وأمي؟
قالت
مستقرة. سألت عنك، وقالت لي إنك لو متّ، فستعود لتطاردك.
ابتسمت.
ثم نظرت إليها جيدًا.
قلت
لقد
قالت
نعم.
قلت
استغللتِني.
قالت
نعم.
قلت
وما زلت أحبك.
أغمضت ريما عينيها.
وانزلقت الدموع على وجهها دون إذن.
قالت
لا تقل ذلك. لقد كدت تموت.
قلت
كدت أموت من قبل وأنا أقود سيارتك في زحام الطريق. هذه المرة كانت أكثر أناقة فقط.
قالت
مازن.
قلت
أحبك. لكنني لن أعيش كذبة مرة أخرى.
أومأت برأسها وقالت
إذًا لنبدأ بشكل مرتبك لكن نظيف.
غادرت المستشفى بعد أسبوع.
وتحسنت أمي أيضًا ببطء، بعناد النساء اللواتي ساومن الحياة مرات كثيرة.
كانت ريما تزورها، وتجلب لها ورودًا بسيطة، لا باقات فاخرة.
كانت أمي تنظر إليها بريبة وحنان في الوقت نفسه.
قالت لها يومًا
اعتني به.
خفضت ريما رأسها وقالت
أتعلم كيف.
قالت أمي
لا. اعتني بنفسك أولًا، ثم أحبيه كما يجب.
بكت ريما في الممر.
وتظاهرتُ أنني لم أرها.
بعد ثلاثة أشهر، أدليت بشهادتي ضد فارس.
كانت ماجدة هناك.
وعندما انتهت الجلسة، اقتربت مني.
قالت
كان جلال يريدك أن تعيش.
قلت
كنت أتمنى أن أقابله.
أعطتني صورة له وهو يبتسم.
قالت
لا تسمح لهم بأن يجعلوه مجرد ضحية. كان عنيدًا، وراقصًا سيئًا، ويصنع قهوة رديئة.
احتفظت بالصورة.
باعت ريما جزءًا من أسهمها وأنشأت مؤسسة باسم جلال لدعم عائلات العمال الذين يتعرضون للأذى في أعمالهم.
لم تعلن ذلك للصحافة.
فعلته بهدوء، كما تُقدَّم الاعتذارات حين لا تبحث عن تصفيق.
مات عبدالعزيز قبل انتهاء
ولم يُسمح لفارس بحضور الجنازة.
حضرتها ريما.
وذهبت معها، لا كسائقها، ولا كزوجها المتعاقد، بل كرجل يعرف أنها ما زالت ترتجف حين تشعر أن عائلتها قفص.
في ذكرى مرور عام على زواجنا، جلسنا على مقعد في حديقة عامة.
كان الأطفال يركضون بالبالونات، والباعة يبيعون الحلوى، والأزواج يلتقطون الصور، وضجيج المدينة البعيد يتسلل بين الأشجار.
أخرجت ريما ملفًا.
قلت
لا تقولي إنه عقد آخر.
قالت
إنها عريضة الطلاق.
شعرت بضربة في صدري.
نظرت إليّ بسرعة وقالت
لم أوقّعها. لكنني أردت أن أحضرها، كي تعرف أنك تستطيع الرحيل.
أخذت الملف.
ومزقته إلى نصفين.
قلت
لقد فعلنا ذلك في رأسي حوالي عشرين مرة.
أخذت ريما نفسًا مرتجفًا.
قالت
لا أعرف كيف أكون زوجة دون أن أسيطر على كل شيء.
قلت
وأنا لا أعرف كيف أكون زوج امرأة تخيف المحامين.
قالت
يمكنني أن أحاول إخافتهم بدرجة أقل.
قلت
لا تطلقي وعودًا مستحيلة.
ابتسمت.
لم تعد تلك الابتسامة نادرة.
لكنها ما زالت تنقذني.
قالت
مازن الحربي لم أعد أحتاج إلى زوج.
قلت
هذا جيد.
قالت
لكنني أريد واحدًا.
حدقت بها.
قلت
من دون دفع مال؟
قالت
من دون دفع مال.
قلت
ومن دون بنود غريبة؟
قالت
بند واحد فقط.
تنهدت وقلت
لنسمعه.
أمسكت يدي وقالت
إذا أصبحتُ باردة يومًا ما، فلا ترحل قبل أن تطرق الباب أولًا.
ضغطت على أصابعها وقلت
وإذا شعرت يومًا أنني مُشترى، فذكّريني
اقتربت ريما.
لم تكن هناك كاميرات.
ولا عائلة.
ولا رجال أعمال.
ولا محامون.
ولا عقود.
كان هناك فقط هواء الحديقة من حولنا، ومدينة ضخمة تواصل ضجيجها، غير مدركة أن شخصين سامحا بعضهما بما يكفي ليبدآ من جديد.
قبّلتني ببطء.
وهذه المرة، لم يكن هناك تصفيق.
لم نكن نحتاج إليه.
لأن زواجنا المزيّف وُلد من اليأس والخوف وعملية عاجلة.
أما الزواج الحقيقي، فقد بدأ لاحقًا.
حين توقفت هي عن شراء وجودي.
وحين توقفت أنا عن بيع صمتي.
وحين فهمنا أخيرًا أن حب شخص لا يعني إنقاذه من ماضيه، بل البقاء للاستماع إلى الحقيقة كاملة دون استخدامها كسلاح.
في ذلك المساء، عدنا إلى البيت بالمواصلات، لأن أمي قالت لريما إنها يجب أن تتعلم كيف يتنقل الناس العاديون.
اختلطت على ريما الخطوط مرتين.
وتذمرت من الحر.
وسخرتُ منها.
فداسَت على قدمي.
وعندما خرجنا إلى الشارع، نتفادى عربات الطعام، ونسمع هدير الحافلات، ونشم رائحة المطر فوق الأسفلت، أمسكت يدي بعفوية امرأة لم تعد تمثل.
قالت
مازن.
قلت
نعم؟
قالت
شكرًا لأنك فتحت الباب تلك الليلة.
نظرت إلى السماء الرمادية فوق المدينة.
فكرت في جلال.
وفي ماجدة.
وفي أمي، التي بقيت على قيد الحياة.
وفي العلامة التي كادت تجعلني مجرد صورة أخرى داخل ظرف أحمر.
قلت
لم أفتحه لأنني كنت شجاعًا. فتحته لأنني تعبت من العيش محاصرًا داخل
أسندت ريما رأسها على كتفي.
ومشينا هكذا.
لا سائق.
لا حراس.
لا ثمن.
فقط ناجيان فهما أخيرًا أن بعض الأكاذيب تبدأ وكأنها نجاة لكن الحقيقة وحدها، حتى حين تنزف، قادرة على تحويل بيتٍ مستعار إلى وطن.