انقلبت عائلتي عليا
انقلبت عائلتها عليها ودمرت فساتين زفافها الأربعة قبل ساعات من الفرح لكنها ظهرت في الممر بشيء جعلهم يرتجفون خجلاً.
من غير فستان مفيش فرح. الموضوع انتهى، قال الحاج حسن وهو ينظر لابنته وكأنه أنهى مشكلة العائلة إلى الأبد.
ليلى عبد الرحمن جثت على أرض غرفتها القديمة في بيت العائلة بالقاهرة، محاطة بقطع قماش أبيض ممزق، ودانتيل متقطع، وسحّابات مفتوحة كأنها جروح لا تلتئم. لم يتبق سوى ساعات قليلة لتسير نحو الممر في القاعة الأثرية في قلب القاهرة القديمة، لكن فساتين زفافها الأربعة كانت قد دُمّرت بالكامل.
الأربعة.
الفستان الرئيسي، واسع الذيل وذو أكمام رقيقة، كان مشقوقًا من الصدر حتى النهاية. الثاني، المصنوع من الدانتيل، كانت عليه شقوق عميقة كأنه تعرض لهجوم غاضب. الثالث، الخفيف المناسب لحرارة الصيف، بدا كقطعة قماش نُزعت بعنف من حبل الغسيل. أما الرابع، البسيط الاحتياطي، فقد تحول إلى خِرَق ممزقة.
ليلى لم تستطع التنفس.
منذ طفولتها كانوا يقولون إن يوم الزواج يكشف أجمل ما في العائلة أن القلوب القاسية تلين، وأن الأمهات تبكي من الفرح، والآباء ينسون خلافاتهم.
لكن في بيت آل عبد الرحمن في الجيزة لم يظهر الحب في هذا اليوم.
بل ظهر الحقد.
في الثانية والثلاثين من عمرها، كانت ليلى قائدة طيّارة في القوات الجوية المصرية. شاركت في مهام
أما لوالدها حسن، فكانت بنت نسيت أنها بنت.
لم يتحمل يومًا رؤيتها بالزي العسكري. كان يرى أن الفتاة يجب أن تتزوج مبكرًا، وتجلس في بيتها، ولا تعطي أوامر في مجال الرجال. أمها فاطمة كانت توافقه الصمت، وتصفها بأنها قاسية وباردة، مش هتعرف تمسك راجل.
وكان هناك كريم، أخوها الأصغر، 28 سنة، بلا عمل ثابت، يعيش على نفقة والديه، لكنه مدلل لمجرد أنه ذكر.
ليلى تعلمت كيف تتحمل. في القاعدة العسكرية تعلمت الصبر والانضباط وكتم الألم. لكن لا شيء يُهيئك لفكرة أن أسرتك تكرهك فقط لأنك نجحت.
مروان، خطيبها، كان مختلفًا. مهندس مدني من الإسكندرية، تعرفت عليه أثناء أعمال إعادة إعمار بعد فيضان. لم يشعر بالنقص أمام قوتها، بل أحبها كما هي.
قبل الزفاف بيومين، جاءت ليلى إلى بيت العائلة وهي تحمل الفساتين الأربعة بعناية. ظنت أن العائلة ستتظاهر بالسلام لمرة واحدة.
لكنها أخطأت.
في تلك الليلة، كان حسن يتمتم أمام التلفاز بلا توقف. فاطمة تضرب الأطباق في المطبخ بعصبية. كريم يسخر من هاتفه في الصالة.
دخلت ليلى غرفتها وأغلقت الباب. علّقت الفساتين في الخزانة، لمست الفستان الرئيسي بابتسامة خفيفة.
باقي قليل
وفي الثانية فجراً، استيقظت
باب الخزانة مفتوح.
وعندما أضاءت المصباح انهار عالمها.
ثم فُتح باب الغرفة.
كان حسن يقف هناك. خلفه فاطمة تنظر للأرض. وكريم يبتسم بسخرية.
قال الأب ببرود
إنتِ اللي جبتي ده لنفسك عشان تفهمي إنك مش أحسن مننا عشان لابسة بدلة عسكرية.
نظرت ليلى إلى أمها
ماما
لكن لا رد.
ضحك كريم بخفة
متقلقيش ممكن تفرحي ببدلة الطيران بدل الفستان.
رفع حسن رأسه وقال
من غير فستان مفيش فرح. خلصت الحكاية.
وخرجوا، تاركينها وسط بقايا يوم كان يجب أن يكون أسعد أيام حياتها.
ليلى لم تبكِ.
جلست على الأرض، باردة اليدين، حتى تحول الألم إلى شيء أعمق أشد صلابة.
ثم أدركت حقيقة مريرة هم لا يريدون لها السعادة بل الصِغر.
لكنهم نسوا من تكون ليلى.
وهنا حدث ما لم يتوقعه أحد
الساعة كانت تقترب من الخامسة صباحًا.
ليلى لم تتحرك من مكانها منذ أن خرجوا. لكن داخلها شيء مختلف كان يتكوّن. لم يكن غضبًا فقط، ولا حزنًا، بل هدوءًا مخيفًا يشبه ما قبل العاصفة.
نهضت ببطء.
نظرت إلى بقايا الفساتين على الأرض، ثم إلى المرآة. وجهها لم يكن وجه فتاة مكسورة بل وجه شخص قرر أن شيئًا انتهى تمامًا.
فتحت درجًا صغيرًا في غرفتها.
أخرجت منه صندوقًا أسود لم تلمسه منذ سنوات.
في داخله كان هناك شيء واحد شارة عسكرية قديمة، وصورة لها وهي تقف بجانب طائرة في أول مهمة لها.
وضعت الصورة
ثم قالت بصوت منخفض أنا مش هنهار.
في الخارج، كانت العائلة تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث. صوت التلفاز، ضحكات خافتة، وكأن تدمير ليلة كاملة كان مجرد تفصيلة عابرة.
لكن ليلى خرجت من غرفتها بهدوء.
مرّت بجانبهم دون كلمة.
حسن رفع عينه من الجريدة رايحة فين على الصبح؟
لم ترد.
فاطمة نظرت لها باستغراب لسه هتزعلي؟ الموضوع خلص.
أما كريم فضحك أكيد هتدور على فستان مستعمل.
توقفت ليلى عند الباب.
ثم قالت لأول مرة بصوت واضح وبارد الليلة دي مش هتتنسى بس مش بالشكل اللي فاكرينه.
وخرجت.
ركبت سيارتها القديمة، وانطلقت نحو مكان لم يزره أحد منهم منذ سنوات قاعدة الطيران.
في القاعدة الجوية، كان الضباب لا يزال يغطي الأرض.
أول ما دخلت ليلى، تغيّر كل شيء في طريقة المشي حولها. الجنود وقفوا باستقامة، ونظراتهم فيها احترام صامت.
أحد الضباط اقترب قائدة ليلى؟ حضرتك هنا بدري كده ليه؟
رفعت عينيها وقالت عايزة طيارة.
الضابط تردد في مهمة تدريب بعد ساعتين
قاطعتُه مش تدريب.
صمت لحظة، ثم فهم من نبرة صوتها أن الأمر مختلف.
حاضر يا فندم.
في نفس الوقت داخل بيت العائلة
كان حسن يشرب قهوته وكأن اليوم عادي.
فجأة رن هاتفه.
الصوت من الطرف الآخر كان رسميًا حضرتك والد القائدة ليلى عبد الرحمن؟
أيوه في حاجة؟
صمت قصير.
ثم جاءت الجملة التي
ابنتك تم استدعاؤها لمهمة طارئة واسمها الآن ضمن