أنا بخير يا أمي… جملة واحدة خلتني أعيش 12 سنة في وهم

لمحة نيوز


بعصبية.
جون بص لفاطمة، وقال
هما عرفوا إننا تحت.
قلبي وقع.
إزاي؟!
قال بسرعة
في واحد منهم أكيد شافنا قبل ما ننزل.
الخطوات فوقنا قربت من مكان المكتبة.
صوت الخشب بيتحرّك.
كانوا بيدوروا على الباب السري.
جون أخد نفس طويل، وبعدين بصلي لأول مرة بجد.
وقال
لازم تعرفي الحقيقة كلها.
كنت حرفيًا بترعش.
لكنه كمل بسرعة
الفلوس اللي فوق مش مجرد فلوس تحويلات.
فاطمة غمضت عينيها كأنها مش عايزة يسمعني الكلام.
أما جون فقال
في وسط الشغل ده فاطمة اكتشفت ملفات على ناس كبار جدًا.
ملفات إيه؟
سياسيين ورجال أعمال وشبكات تهريب.
الدم جمد في عروقي.
وده دخل بنتي في كل ده؟!
هز راسه
لأنها احتفظت بنسخة.
بصيت لفاطمة بصدمة.
فاطمة قالت بسرعة وسط دموعها
ماكنتش عايزة أستخدمها كنت بس عايزة حاجة تحمينا.
جون كمل
الملفات دي كانت السبب الوحيد إنهم ما قتلوهاش.
صوت تكسير عالي جه من فوق.
حد دخل المكتبة.
كلنا اتجمدنا.
جون همس
معاهم وقت قليل قبل ما يلاقوا الباب.
فاطمة بصتلي فجأة، ومدت إيدها تحت البلوزة بتاعتها.
طلعت سلسلة صغيرة من رقبتها.
وفيها فلاشة معدنية صغيرة.
حطتها في إيدي.
اتصدمت
إيه دي؟
قالت وهي بتبكي
كل حاجة عليهم.
بصيت للفلاشة وأنا مش فاهمة.
جون قال بسرعة
لو خرجنا من هنا لازم تسلميها للشرطة الدولية. مش الشرطة هنا.
وإنتوا؟
ما ردش.
وده كان أخطر رد.
صرخت
أنا مش هسيبكم!
فاطمة مسكت إيدي بقوة
اسمعيني يا ماما لو حصلنا حاجة، إنتِ الوحيدة اللي تقدري تخرجي الحقيقة.
عيطت وأنا هز راسي بعنف
لا لا يا فاطمة.
لكنها قربت مني أكتر.
ولأول مرة من سنين
شفت بنتي الصغيرة اللي كنت أعرفها.
مش الست الخايفة اللي قدامي من ساعة ما وصلت.
قالت بصوت مكسور
أنا كنت بموت كل يوم عشان أحميكي.
دموعي نزلت أكتر.
وأنا كنت بموت من غيابك.
صوت المكتبة فوقنا اتحرك فجأة.
وبعدين
سمعنا صوت حديد بيتفتح.
الباب السري.
جون رفع المسدس فورًا.
أما أنا، فقربت فاطمة مني بقوة كأني بحاول أحميها من الدنيا كلها.
الخطوات بدأت تنزل السلم.
درجة
درجة
والضلمة حوالينا بقت أتقل.
جون وقف قدامنا

مباشرة.
وصوته طلع هادي بشكل مرعب
لما أقول اجري اجري ومتلفتيش.
صرخت
لا!
لكن في اللحظة دي
نور كشاف قوي ضرب وشوشنا.
وصوت راجل صرخ بالكوري من أعلى السلم.
وجون ضغط على الزناد.
صوت الطلقة دوّى في المكان الضيق بشكل خلّى وداني تصفر.
صرخت غصب عني، وفاطمة تشبثت بإيدي وهي بتترعش من الخوف.
الراجل اللي فوق السلم وقع لورا، والكشاف اتقلب على الأرض.
لكن في نفس اللحظة، سمعنا صوت صريخ وغضب برّه.
كانوا أكتر من واحد.
جون لف بسرعة ناحيتنا وصوته طلع حاد لأول مرة
اجري!
مسك إيدي أنا وفاطمة، وجرّنا ناحية آخر الأوضة.
كان فيه باب حديد صغير ماكنتش واخدة بالي منه.
فتحه بسرعة، وطلع ممر ضيق جدًا تحت الأرض.
جريت وأنا حرفيًا مش حاسة برجلي.
ورا ضهرنا، أصوات الرجالة كانت بتقرب.
وصوت خطواتهم فوق السلم كان مرعب.
الممر كان طويل وضلمة، وريحتُه تراب ورطوبة.
وفاطمة كانت بتنهج جامد.
همست وهي بتجري
إحنا رايحين فين؟
جون رد بسرعة
النفق بيطلع ورا الحي.
بصيتله بصدمة
إنتوا عايشين كده من سنين؟!
ما ردش.
لكن الصمت كان كفاية.
فاطمة قالت وسط نفسها المتقطع
ماكنّاش بنعيش إحنا كنا بنستخبى.
الكلمة وجعتني أكتر من أي حاجة.
بنتي اللي كنت فاكرة إنها عايشة حياة مترفة
كانت عايشة مطاردة وخوف.
فجأة، سمعنا صوت طلقات ورا ضهرنا.
الرصاص ارتطم بالحيطة المعدنية، وأنا شهقت بخوف.
جون وقف فجأة، ولف ناحيتنا
كمّلوا جري!
صرخت
وإنت؟!
قال بسرعة
لازم أعطلهم شوية.
فاطمة مسكت فيه وهي بتعيط
لا يا جون!
لكنّه حط إيده على وشها بحنان غريب وسط الرعب ده كله.
وقال بالكوري جملة قصيرة، وبعدها بالعربي المكسر
أنا وعدتك أحميك.
وفي لحظة
دفعنا قدامه، وقفّل الباب الحديد بيننا وبينه.
صرخت أنا وفاطمة مع بعض
جون!
لكننا سمعنا صوت القفل من الناحية التانية.
وبعدين
صوت خطواته وهو بيرجع ناحيتهم.
فاطمة انهارت على الأرض وهي بتعيط بشكل هستيري
هيقتلوه
شدّيتها من إيدي بصعوبة
لازم نمشي!
كملنا جري في النفق، وأنا حاسة إن قلبي هيقف من الخوف والتعب.
لحد ما شوفنا نور خفيف قدامنا.
خرجنا من فتحة صغيرة
ورا سور قديم في آخر الشارع.
الهوا البارد ضرب وشي بقوة.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت البيت
حسيت إننا برّه الخطر.
لكن فاطمة كانت منهارة بالكامل.
وقفت تبص ناحية البيت البعيد، ودموعها بتنزل من غير صوت.
همست
سيبته لوحده
قربتها مني وقلت لها بصوت مكسور إنتِ مش لوحدك.
كان بيحميكي.
وفجأة
سمعنا صوت انفجار بعيد.
الشارع كله اهتز.
والنار طلعت من ناحية البيت.
فاطمة شهقت ووقعت على ركبها.
أما أنا
ففضلت باصة للنار، وعارفة في اللحظة دي إن حياتنا القديمة كلها انتهت.
بعدها بدقايق، عربيات الشرطة والإسعاف بدأت تملا المكان.
الناس خرجت من البيوت.
والدنيا اتقلبت فوضى.
فاطمة كانت لسه ماسكة إيدي بقوة، كأنها خايفة أختفي منها.
وبعدين بصتلي فجأة.
ولأول مرة من اتناشر سنة
قالت الكلمة اللي كنت مستنياها طول عمري.
وحشتيني يا ماما.
انفجرت في العياط.
مسكت وشها بين إيديا وقلت
إنتِ رجعتيلي خلاص.
لكنها هزت راسها وسط دموعها.
وقالت بصوت مكسور
لسه ماخلصش.
بصيتلها بعدم فهم.
ففتحت إيدي اللي كانت مقفولة على الفلاشة.
وقالت
طول ما دي موجودة هما مش هيسيبونا.
بصيت للفلاشة الصغيرة اللي قلبت حياتنا كلها.
وفهمت أخيرًا
إن الرحلة اللي بدأت عشان أرجّع بنتي
مكنتش انتهت لسه.
لكن للمرة الأولى من سنين طويلة
ماكناش لوحدنا.
قضينا الليلة دي في قسم الشرطة.
أنا وفاطمة قاعدين جنب بعض، وإيدها ما سابتش إيدي ولا لحظة.
كل شوية كانت تبص ناحية الباب
كأنها مستنية جون يدخل.
لكن الساعات عدّت
وما دخلش.
الفلاشة اللي كانت في إيدي اتسلمت لجهات تحقيق دولية، وبعد ساعات طويلة من الأسئلة والترجمة، بدأت أفهم حجم الكابوس اللي كانت بنتي عايشة فيه.
الأسماء اللي على الفلاشة ماكانتش عادية.
شبكات تحويلات غير قانونية.
تهريب.
ناس كبار جدًا.
ولسنين، كانت فاطمة وجون عايشين تحت التهديد.
مش لأنهم مجرمين
لكن لأنهم عرفوا أكتر من اللازم.
في الصبح، ضابط كوري دخل علينا بهدوء.
بص لفاطمة الأول، وبعدها نزل عينه.
وقتها فقط
قلبي فهم قبل وداني.
فاطمة وقفت ببطء.
وشفايفها بتترعش.
وسألته بالكوري.

الراجل سكت ثواني
وبعدين رد.
وفاطمة انهارت.
وقعت على الكرسي وهي بتصرخ بوجع عمري ما سمعته من إنسان.
قربت منها بسرعة، وأنا قلبي بيتقطع.
ماكنتش محتاجة ترجمة.
عرفت.
جون ما رجعش.
الانفجار اللي حصل في البيت
كان آخر مرة شافوه فيها.
فضلت فاطمة تعيط بالساعات.
مش عياط خوف
عياط روح فقدت الشخص الوحيد اللي فضل جنبها طول السنين دي.
وفي وسط دموعها، كانت تردد جملة واحدة
هو أنقذنا
وقتها بس فهمت الحقيقة كاملة.
أنا طول السنين دي كنت شايفة جون كالغريب اللي أخد بنتي مني
لكن الحقيقة؟
إنه كان بيحاول يحافظ عليها طول الوقت.
حتى لو خسر نفسه.
بعد أيام، التحقيقات بدأت تكبر، والقبض على ناس كتير تم فعلًا بسبب الملفات اللي على الفلاشة.
أما البيت
فاتحول لرماد.
كل الفلوس اللي كانت متخبية اختفت وسط القضية.
لكن الغريب إن فاطمة ما اهتمتش.
ولا أنا.
لأن بعد كل اللي حصل
اكتشفنا إن أغلى حاجة نجت فعلًا كانت إحنا.
بعد أسبوعين، رجعنا مصر.
وأنا ماشية في المطار، حسيت إني خارجة من عمر كامل مش من بلد.
فاطمة كانت ماشية جنبي في هدوء، من غير خوف لأول مرة.
لكنها كانت متغيرة.
هادية زيادة.
كأن جزء منها فضل هناك.
ولما دخلنا البيت
وقفت تبص لكل حاجة لفترة طويلة.
الكنبة القديمة.
الستاير.
الصور.
حتى ريحة البيت.
وبعدين بصتلي بعين مليانة دموع وقالت
أنا آسفة يا ماما.
قربت منها، ولمست وشها بهدوء.
إنتِ رجعتي خلاص.
ومن يومها
حياتنا بدأت من جديد.
ببطء.
في الأول، كانت بتصحى مفزوعة من النوم.
وأوقات كتير كانت تسكت بالساعات، تبص من الشباك وكأنها لسه خايفة حد يلاقيها.
لكن مع الوقت
بدأت ترجع.
ترجع تضحك.
تطبخ معايا.
تقعد جنبي نشرب الشاي.
وتحكيلي عن نفسها من جديد مش برسالة قصيرة باردة.
وفي يوم، وهي بتنضف شنطتها القديمة، لقيت صورة صغيرة.
أنا وهي في المطار يوم سفرها.
مسكت الصورة وسألتها
فاكرة اليوم ده؟
ابتسمت وسط دموعها
كنت فاكرة إني رايحة أعيش حلم.
سكتت شوية
وبعدين قالت
بس أنا كنت صغيرة أوي علشان أفهم إن بعض الأحلام تمنها العمر كله.
ضمّيت إيديها بين إيديا وقلت
لها بهدوء.
وقلت
المهم إنك رجعتي
قبل ما العمر يخلص.
وفي الليل
بعد ما نامت، دخلت أوضتي وفتحت الدرج.
كان فيه ظرف قديم، فيه كل الرسائل اللي كانت بتوصلني كل سنة.
يا أمي، خدي بالك من نفسك. أنا بخير.
فضلت أبص للجملة طويل.
وبعدين ابتسمت لأول مرة من قلبي.
لأنها أخيرًا
بقت حقيقية.

 

تم نسخ الرابط