"حين قال الطفل «ماما» من القبو… اكتشفتُ أنني أُمّ لثلاثة أطفال سُرقوا مني"
لن تُغلق بسهولة.
نظرتُ إلى طفليّ.
إلى مروان
وإلى ذاك الطفل الذي لم يعد مجرد رقم.
سأسميك همستُ له.
نظر إليّ، وكأنه ينتظر.
آدم.
ابتسم بخجل وكأن الاسم أعاده للحياة.
بعد ساعات
وجدتُ نفسي أسير في ممرات المستشفى القديمة.
الأضواء باهتة.
الهواء ثقيل.
وكل بابٍ أمرّ به كان يحمل احتمالًا جديدًا.
وصلنا إلى غرفة الأرشيف.
فتح الضابط الباب.
صريرٌ طويل كأنه اعتراض من الماضي.
دخلنا.
رفوفٌ ممتلئة بملفات صفراء غبار وصمت.
بدأتُ أبحث.
يدي ترتجف.
قلبي يخفق بقوة حتى شعرتُ أنه سيُسمع.
ثم وجدته.
ملف باسمي.
فاليريا المنصوري.
فتحته ببطء.
الصفحة الأولى تقرير الولادة.
لكن لم يكن هناك طفل واحد.
كان هناك ثلاثة.
تجمّدت.
ثلاثة؟
بدأتُ أقرأ.
حالة أولى
حالة ثانية نُقلت إلى العناية الخاصة.
حالة ثالثة تم تسليمها للأم.
سقط الملف من يدي.
مروان لم يكن الوحيد.
آدم لم يكن الوحيد.
كان هناك ثالث.
طفل ثالث.
أين هو؟! صرختُ، وكأن أحدًا في الغرفة سيجيب.
الضابط اقترب، أخذ الملف، وبدأ يقلب الصفحات بسرعة.
هنا هناك تحويل.
إلى أين؟!
قرأ بصوت بطيء
مركز بحثي خاص خارج المدينة.
شعرتُ بأن الأرض تميد بي.
هل هو حي؟
لم يجب.
لكن نظرته كانت كافية.
هناك أمل.
مرّت أيام
تحقيقات.
اعتقالات.
أخبار تنتشر كالنار.
اسم عائلة سامي أصبح في كل مكان.
لكنني لم أكن أرى شيئًا من ذلك.
كنتُ أعيش في غرفة واحدة بين طفلين استعدتهما وثالث لا أعرف أين هو.
حتى جاء ذلك اليوم.
دخل الضابط الغرفة.
هذه المرة لم يكن وجهه صارمًا.
وجدناه.
لم أفهم.
من؟
ابتسم ابتسامة خفيفة
طفلك الثالث.
توقفت أنفاسي.
أين؟
في مركز رعاية تم إغلاقه منذ سنوات. تم نقله لاحقًا إلى دار أيتام باسم مختلف.
دموعي نزلت دون استئذان.
هل يعرف؟
هزّ رأسه
لا. لكنه يشبهك.
في اليوم التالي
وقفتُ أمام باب بسيط.
ليس قصرًا.
ليس مستشفى.
مجرد دار صغيرة.
لكن خلف هذا الباب كانت قطعة من قلبي تنتظر.
طرقت.
فتح رجل مسنّ.
نعم؟
لم أستطع الكلام.
فقط رفعتُ الصورة.
نظر إليها ثم إليّ.
وفهم.
ادخلي.
دخلتُ.
أصوات أطفال ضحكات خطوات صغيرة.
ثم رأيته.
كان يلعب في الزاوية.
شعره
ملامحه
عيناه
يا الله
نفس العينين.
تقدم نحوي ببطء.
لم يكن خائفًا.
فقط فضولي.
أنتِ من؟
ركعتُ أمامه.
دموعي
أنا صوتي خانني.
حاولت مرة أخرى.
أنا أمك.
نظر إليّ طويلاً.
ثم قال بهدوء بسيط
أنا عندي أم لكنها ماتت.
اهتزّ قلبي.
أعرف لكن الحقيقة مختلفة.
تردد.
ثم مدّ يده.
لمستُها.
دفءٌ حقيقي.
اقترب أكثر.
ثم فجأة احتضنني.
وكأنه تذكر.
أو ربما شعر.
وضممتُه.
كما ضممتُ أخويه.
وكأن السنوات الضائعة تحاول أن تُختصر في لحظة واحدة.
في المساء
عدنا إلى المنزل.
لكن ليس المنزل القديم.
منزل جديد.
بداية جديدة.
ثلاثة أطفال
ثلاثة قلوب
وثلاثة فصول من قصة لم يكن يجب أن تبدأ أصلًا.
جلستُ بينهم.
أنظر إليهم واحدًا تلو الآخر.
مروان ينام بهدوء.
آدم يبتسم في حلمه.
والثالث يمسك يدي وكأنه يخشى أن أختفي.
همستُ
انتهى كل شيء.
لكن في داخلي كنتُ أعلم.
أن بعض الجروح لا تختفي
بل تتحول إلى قوة.
وأن الحقيقة مهما دفنوها ستجد طريقها دائمًا.
أغلقتُ عيني أخيرًا
ولأول مرة منذ سنوات
نمتُ دون خوف.