"حين قال الطفل «ماما» من القبو… اكتشفتُ أنني أُمّ لثلاثة أطفال سُرقوا مني"
تجمّدتُ في مكاني، والهاتف يرتجف بين يدي، وكأن تلكحك الكلمة التي خرجت من فم الطفل في القبوماالم تكن مجرد صوت بل سكينًا شقّ حياتي إلى نصفين.
رفعتُ عيني ببطء عن الشاشة، ونظرتُ إلى من حولي.
سامي كان يحدّق فيّ، وعيناه مليئتان بشيء لم أره فيه من قبل خوف حقيقي.
أما أمّه، فكانت تبتسم.
ابتسامة باردة، كأنها انتصرت أخيرًا.
لكن رنا كانت تنظر إليّ برجاء.
أرجوكِ، صدّقيني ليس لدينا وقت.
لم أفكر.
لم أصرخ.
لم أبكِ.
فقط تحركت.
اندفعتُ نحوها، أخذتُ مروان بين ذراعي، وضممته بقوة حتى كاد يختفي في صدري.
أين القبو؟ قلتُ بصوت لم أعرفه.
صمتٌ ثقيل سقط على الغرفة.
ثم همست رنا
في نهاية الممر الخلفي خلف الباب الحديدي.
لم أنتظر.
ركضت.
خلفي، سمعتُ سامي يصرخ
أوقفيها!
لكن رنا اعترضت طريقه.
لن تلمسها!
تبع ذلك صوت ارتطام صراخ أشياء تُكسر.
لكنني لم ألتفت.
كنتُ أركض وكأن الأرض نفسها تنهار تحتي.
الممر بدا أطول من أي وقت مضى أضيق أبرد
وصلتُ إلى الباب الحديدي.
كان مغلقًا.
تذكّرتُ المفتاح.
التفتُ فوجدتُ سامي يركض نحوي، يلهث، ووجهه لم يعد يحمل أي قناع.
لم يكن زوجي.
كان شخصًا غريبًا تمامًا.
فاليريا، اسمعي دعيني أشرح
المفتاح.
أنتِ لا تفهمين
المفتاح! صرختُ بكل ما تبقى في صدري.
توقف للحظة.
ثم أخرج المفتاح ببطء.
لكن قبل أن
إن فتحته لن تعودي كما كنتِ أبدًا.
نظرتُ إليه.
أنا لم أعد كذلك منذ أن سمعتُ كلمة ماما.
خطفته من يده.
أدخلته في القفل.
درتُ به.
صوت الفتح كان كأنه انفجار في رأسي.
دفعتُ الباب.
الهواء في الداخل كان ثقيلاً رطبًا يحمل رائحة دواء قديم.
الضوء خافت، يتدلّى من مصباح واحد يهتز.
خطوتُ ببطء.
كل خطوة كانت كأنها تخترق طبقة من الخوف.
ثم رأيته.
السرير الصدئ.
والطفل.
كان جالسًا، يضمّ ركبتيه إلى صدره.
نحيل شاحب وعيناه
يا الله
عيناه كانتا نفس عيني.
نفس النظرة التي كنت أراها في المرآة عندما أبكي دون صوت.
رفع رأسه ببطء.
نظر إليّ.
لم يصرخ.
لم يتحرك.
فقط همس مرة أخرى
ماما
انهرت.
ركضتُ نحوه، وركعتُ أمامه، ولم أستطع حتى لمسه في البداية.
كنتُ خائفة
خائفة أن يكون حلمًا
أو كابوسًا.
أنا هنا همستُ، ويدي ترتجف حتى لمستُ وجهه.
كان دافئًا.
حقيقيًا.
ارتجف جسده عند لمستي.
ثم ببطء اقترب.
وضع رأسه على كتفي.
وكأنه كان ينتظر هذا العناق منذ سنوات.
بكيت.
بكاءً لم أبكه حتى يوم قيل لي إن طفلي مات.
اسمه همستُ. ما اسمك يا حبيبي؟
تردد.
ثم قال بصوت خافت
كانوا ينادوني رقم ثلاثة.
تجمّدتُ.
رقم؟
طفل برقم؟
سمعتُ خطوات خلفي.
التفتُ بسرعة.
سامي كان يقف عند الباب.
وخلفه أمّه.
والطبيب.
انتهى الأمر، فاليريا.
وقفتُ ببطء.
طفل في ذراعي وآخر متشبث بثوبي.
من هو هذا الطفل؟ سألتُ.
لم يجب.
أمّه تقدمت خطوة.
مشروع.
شعرتُ بالغثيان.
مشروع؟!
ابتسمت.
أنتِ كنتِ دائمًا حساسة أكثر من اللازم، لذلك لم نخبرك. عائلتنا لديها اهتمامات خاصة في الطب.
قال الطبيب وهو يتنهد
كان الهدف علاج مرض وراثي نادر لكننا احتجنا إلى عينات متطابقة.
نظرتُ إلى الطفل.
ثم إلى مروان.
ثم إلى سامي.
وفهمت.
أنتم استنسختم طفلي؟
صمت.
ثم قال سامي
ليس تمامًا.
كذّاب!
صرختُ حتى اهتزّ المكان.
سرقتم طفلي الأول وقلتم إنه مات ثم احتجزتموه هنا كأنه شيء!
اقترب خطوة.
كنا نحاول إنقاذ مروان.
بقتله؟!
صمتٌ آخر.
ثم همست أمّه
التضحية ضرورية أحيانًا.
في تلك اللحظة، شعرتُ بشيء داخلي ينكسر ويتحوّل.
لم أعد خائفة.
لم أعد ضعيفة.
أصبحتُ شيئًا آخر.
أمًّا لن تخسر أبناءها مرة أخرى.
رنا قلتُ دون أن ألتفت.
وفجأة، ظهر صوتها من خلفهم
أنا هنا.
كانت تقف عند الباب تحمل هاتفًا.
تم الإرسال. قالت بثبات.
ماذا؟ صرخ سامي.
كل شيء. أجابت. إلى الشرطة وإلى الصحافة.
تغيّر وجه أمّه.
غبية!
لكن كان الأوان قد فات.
في الخارج بدأت أصوات سيارات تقترب.
صفارات.
ضوء أزرق وأحمر ينعكس على الجدران.
نظرتُ إلى سامي.
آخر مرة.
انتهى.
حاول الاقتراب.
لكنني تراجعت،
لا تقترب.
توقف.
ولأول مرة لم يكن لديه ما يقوله.
بعد دقائق اقتحم رجال الشرطة المكان.
صرخات.
أوامر.
قيود تُغلق.
أمّه حاولت التبرير.
الطبيب انهار.
وسامي لم ينظر إليّ مرة أخرى.
في المستشفى، بعد ساعات طويلة
جلستُ بين طفلَيّ.
واحد لم أعرف أنه موجود.
والآخر كادوا يسلبونه مني.
نظرتُ إليهما
وتساءلتُ
كم من الوقت كان ابني في الظلام يناديني دون أن أصل؟
مددتُ يدي.
أمسكتُ بيده الصغيرة.
لن أتركك مرة أخرى.
ابتسم.
ابتسامة صغيرة متعبة لكنها حقيقية.
وفي تلك اللحظة
أدركتُ أن النهاية لم تكن نهاية.
بل بداية.
لكن بينما كنتُ أتنفس أخيرًا
دخلت ممرضة بهدوء.
وقالت جملة جعلت الدم يتجمّد في عروقي مرة أخرى
سيدتي هناك ملف قديم باسمك في المستشفى
رفعتُ رأسي ببطء.
وماذا فيه؟
ترددت.
ثم قالت
يبدو أن هناك أكثر من طفل لم يتم تسجيلهم رسميًا.
توقفت أنفاسي.
أكثر من طفل؟
كم واحدًا أخذوا مني؟
وهل ما زالوا أحياء؟
ظلّت كلمات الممرضة تتردد في أذني كصدى لا ينتهي
هناك أكثر من طفل
لم أتحرك.
لم أرمش.
فقط نظرتُ إليها وكأنني أنتظر منها أن تتراجع أن تقول إنها أخطأت.
لكنها لم تفعل.
أين الملف؟ سألتُ بصوت خافت، وكأنني أخشى أن يسمعني أحد أو أن يسمعني القدر نفسه.
ترددت للحظة، ثم قالت
في الأرشيف القديم لكن الوصول
وقبل أن أطلب، تدخل صوت آخر من خلفي
ستحصل عليه.
التفتُّ.
كان ضابط الشرطة، يقف عند الباب، وجهه صارم، لكن عينيه تحملان شيئًا من التعاطف.
كل ما حدث هنا فتح أبوابًا كثيرة. هذه القضية