مريم بقلم امانى سيد

لمحة نيوز


قالت لي بقوة خلت جسمي كله يقشعر أنا مش عايزة أقف قدامك في محاكم، ولا عايزة فضايح بين العيلة. أنت هتطلقني يا ابن خالتي، وبالذوق. هتخرج من حياتي زي ما دخلت، بشنطة هدومك وبس. اللي بينا مات يوم ما قفلت وراك الباب وسافرت
مع غيري.. والنهضة اللي أنا فيها دي، كانت عشان أثبت لنفسي إني مش تكملة عدد في حياتك، أنا بطلة حياتي أنا.
حاولت أتكلم، حاولت أبوس إيدها، بس هي سحبت إيدها ونطقت الجملة اللي قفلت كل أبواب الرجاء لو فاضل في قلبك ذرة رجولة أو مودة لأمي اللي كانت خالتي.. طلقني وسيبني في حالي. أنا دلوقتي مريم اللي بتعرف ترفض وتختار، وأنا اخترت إني أكون حرة منك.
وقفت قدامها مكسور، عاجز، ولأول مرة أحس إني صغير أوي قدامها. مريم مكنتش بتنتقم، مريم كانت بس بتنضف حياتها من غلطة قديمة.. والغلطة دي كانت أنا.
بعد ما مريم قطعت

ورق التنازل ورفضت الشيك، لقيت قوتها بتزيد وكأن كل حتة ورق بتقطعها هي قيد بيتفك من عليها. قالت لي بكلمات زي الرصاص ميعادنا بكرة عند المأذون يا ابن خالتي، الساعة ٥.. لو جيت، يبقى ده آخر جميل بتعمله فيا وفي ذكرى أمك، ولو مجيتش، يبقى بتأكد لي للمرة المليون إنك مابتعرفش تواجه غلطاتك.
روحت في الميعاد وأنا قلبي مقبوض، الشوارع اللي مشيت فيها وأنا رايح كانت هي هي اللي مشيت فيها يوم فرحنا، بس الفرق إن يومها كنت ماشي بتمشى ببرود وأنا بفكر في السفر، والنهاردة ماشي وجسمي كله بيترعش من الخوف.
دخلت مكتب المأذون، لقيتها قاعدة، مريم اللي ملامحها بقت أصلب من الصخر. كانت لابسة أسود في أسود، وكأنها بتعلن حدادها الأخير على الراجل اللي مات في نظرها من سنين. المأذون فتح الدفتر الكبير، وبدأ يقرأ الديباجة المعتادة، وكل كلمة كانت
بتنزل على ودني زي المطرقة.
المأذون بص لي وقال يا ابني، مريم بنتنا وبنت خالتك، والبيوت أسرار، والصلح دايماً فيه بركة.. مفيش مراجعة؟
فتحت بوقي عشان أصرخ وأقوله أنا عايزها، أنا ندمان، بس عيني جت في عين مريم، لقيت فيها سد عالي من القسوة، لقيت نظرة بتقول لو نطقت بكلمة هكرهك أكتر ما أنا بكرهك.
قالت للمأذون بصوت ثابت ميهتزش يا مولانا، اللي انكسر مابيتصلحش، والنفوس شايلة اللي يكفيها. كمل إجراءاتك، أنا متنازلة عن كل حقوقي المالية، أنا مش عايزة منه غير ورقتي.. عايزة أخرج من الذمة دي عشان أقدر أتنفس.
مديت إيدي ووقعت.. القلم كان تقيل لدرجة إني حسيت إني بجر جبل ورايا. بصمت بصمتي اللي نهت كل حاجة رسمي. مريم قامت، وبكل هدوء بصمت هي كمان، ولأول مرة أشوف ابتسامة خفيفة أوي، ابتسامة راحة ظهرت على وشها وهي بتسمع المأذون بيقول
بارك الله لكما في حياتكما الجديدة.. أنتم الآن أغراب.
خرجنا من المكتب، وقفت على السلم أحاول ألحقها، قولت لها وصوتي مخنوق بالدموع خلاص يا مريم؟ مفيش رجوع؟
وقفت والتفتت لي، وبصت لي بصه عمري ما هنساها، وقالت الرجوع ده للي ساب حاجة وراه، أنت مسيبتش حاجة أرجع لها يا ابن خالتي. أنت سيبت شقة فاضية، وقلب ميت، وست اتعلمت تعيش من غيرك وتنجح وتكبر.. مريم اللي كانت بتعملك جمعيات وتخدم أمك، ماتت يوم ما أنت ركبت الطيارة. روح للي كنت بتحبها، يمكن تلاقي عندها اللي ضيعته هنا.
سابتني ومشيت بخطوات واثقة، ركبت عربيتها اللي جابتها من شقاها في المكتبة، وأنا فضلت واقف على الرصيف، وحيد، مكسور، ومعايا ورقة بتقول إني خسرت كل حاجة.. خسرت الست اللي كانت ونعم الزوجة، وخسرت نفسي، ورجعت غريب في بلد مابقاش ليا فيها غير حيطان شقة خالية
بجد
من الروح.
النهاية.

تم نسخ الرابط