رجع من القبر… لكن اللي كان واقف على الباب أخطر من الموت 😳🔥
حتى في أسوأ أيامها… حتى حين كانت بالكاد تقف على قدميها… كانت تذهب. تحمل الزهور بيديها المرتجفتين، وتجثو أمام القبر لساعات، وكأنها تحاول إقناع التراب أن يعيد إليها ابنها.
بلعتُ ريقي بصعوبة، وقلت:
"إذًا… نلتقي بها هناك؟"
أومأ برأسه:
"نعم. نصل قبلها. تذهبين أنتِ كعادتك… وعندما تكون وحدها… أقترب. نخرجها من الخلف… من جهة القبور القديمة. هناك ممر لا يراقبه أحد."
"ثم ماذا؟"
صمت.
نظرت إليه بحدّة:
"أين سنأخذها؟"
لم يُجب.
فهمتُ من صمته أكثر مما لو تكلم.
كلما قلّ ما أعرف… كنتُ أكثر أمانًا.
ضحكتُ فجأة، ضحكة قصيرة ومتوترة خرجت رغماً عني:
"لا أصدق… عدتَ من الموت… وما زلتَ تتصرف كأخٍ أكبر يتحكم بكل شيء."
رفع عينيه نحوي… وابتسم.
ابتسامة صغيرة… بالكاد تُرى… لكنها كانت كفيلة بأن تعيدني
إلى أيامٍ كان كل شيء فيها بسيطًا.
إلى قبل أن يصبح الموت… خدعة.
لكن تلك اللحظة… لم تدم.
فجأة—
رنّ الهاتف.
كان الصوت حادًا في صمت الغرفة، كأنه طعنة في الهواء.
التفتنا إليه في اللحظة نفسها.
كانت الشاشة مضيئة…
والاسم واضحًا.
أبي.
شعرتُ بقلبي يصعد إلى حلقي.
نظرت إلى مصعب ببطء:
"هل… يعلم أنك هنا؟"
هزّ رأسه ببطء:
"لا يجب."
توقّف الهاتف.
سكون ثقيل.
خمسة ثوانٍ فقط…
ثم عاد يرنّ.
لكن هذه المرة… لم يكن هاتفه وحده.
اهتزّ هاتفي داخل حقيبتي.
مددتُ يدي ببطء، أصابعي باردة… وسحبت الهاتف.
رسالة.
من أبي.
فتحتها.
"أين أنت؟ أمك مريضة. تعال فورًا. ولا ترد على أرقام غريبة."
قرأتُ الرسالة مرة… ثم ثانية… ثم رفعتُ عيني نحوه.
مصعب لم يعد يبدو متفاجئًا.
لم
بل على العكس…
كان وجهه هادئًا بشكلٍ مخيف.
كأن كل شيء يحدث الآن… كان يتوقعه.
أو… يخشاه.
قلتُ بصوت منخفض:
"ماذا يعني هذا؟"
لم يجب فورًا.
مدّ يده ببطء… والتقط المسدس من فوق الطاولة.
حركة سريعة… محترفة… كأنها تكررت آلاف المرات.
تفحّصه، ثم أغلقه بإحكام.
قال دون أن ينظر إليّ:
"هذا يعني… أننا تأخرنا."
شعرتُ ببرودة تسري في ظهري:
"تأخرنا عن ماذا؟"
رفع رأسه أخيرًا، ونظر مباشرة إلى النافذة.
"عن الخروج بهدوء."
في البداية… لم أسمع شيئًا.
فقط صوت الثلاجة القديمة… وطنين الكهرباء.
ثم—
صوت بعيد.
محرك.
توقّف.
ثم محرك آخر.
أقرب.
تجمّدتُ في مكاني.
تبادلنا النظرات.
لم نحتج للكلام.
تقدّم مصعب بخطوات بطيئة نحو الستارة… وأزاحها جزءًا صغيرًا جدًا، بالكاد يسمح برؤية
تصلّب جسده فورًا.
همس:
"وصلوا."
شعرتُ بأن الأرض تميد بي:
"من؟"
لم يُجب.
لكنني عرفت.
اقتربتُ ببطء… رغم أنني لم أكن أريد أن أرى.
نظرتُ من الفتحة الضيقة…
سيارة سوداء كبيرة توقفت أمام المنزل.
ثم أخرى خلفها.
الأبواب فُتحت.
رجال.
ظلّهم فقط كان كافيًا ليُفهم كل شيء.
لم يكونوا جيرانًا.
ولم يأتوا للزيارة.
تراجعتُ خطوة إلى الخلف، يدي على فمي:
"أبي…"
لم أستطع إكمال الكلمة.
قال مصعب بصوت منخفض، لكنه حاسم:
"اسمعي لي جيدًا… من الآن، لا تتصرفي بعاطفة."
نظرت إليه، وعيناي ممتلئتان بالذعر:
"ماذا سنفعل؟"
لم يصرخ.
لم يتوتر.
بل اقترب… ووضع يده على كتفي.
"سنخرج."
"من أين؟ الباب؟!"
هزّ رأسه:
"من الخلف."
ثم أضاف، وهو ينظر مباشرة في عينيّ:
"وإذا لم نتحرك الآن… فلن نخرج
وفي تلك اللحظة…
دوّى صوت طرقٍ قوي على الباب.
مرة.
ثم مرتين.
ثم صوتٌ أعرفه جيدًا… أكثر مما أريد.
صوت أبي.
"افتح الباب."