رجع ابني من بيت أمه
صوت بكائه لم يكن مجرد بكاء طفل.
كان انهيارًا كاملًا.
كأن شيئًا داخله ظلّ صامتًا طويلًا ثم قرر أن ينفجر دفعة واحدة.
تجمّدت مكاني للحظة، والهاتف ما زال على أذني، والممرضة على الطرف الآخر تسألني بإلحاح
سيدي؟ هل الطفل واعٍ؟ هل يتنفس بشكل طبيعي؟
لم أستطع الرد فورًا.
كنت أنظر إليه
إلى ابني الذي لم يعد الطفل نفسه.
قلت بصوتٍ مكسور
نعم نعم، هو واعي بس أرجوكم أسرعوا.
أغلقت الهاتف ببطء ثم اقتربت منه.
ركعت أمامه.
مددت يدي نحوه لكنه تراجع فورًا.
وهنا
انكسر شيء آخر داخلي.
قلت له بهدوء، وأنا أحاول ألا أرتجف
أنا معك يا بابا ما حدا رح يأذيك
لم ينظر إليّ.
كان ينظر إلى الأرض وكأنها المكان الوحيد الآمن.
همس
أنا خايف
ابتلعت ريقي بصعوبة
من شو؟
لم يجب.
لكن يده كانت ترتجف.
وحقيبته ما زالت بين ذراعيه وكأنها درع.
دقائق
كانت أطول من ساعات.
حتى سمعنا صوت سيارة الإسعاف في الخارج.
أسرعت وفتحت الباب.
دخل المسعفون بسرعة
نظرة واحدة على حالته كانت كافية لتغيّر وجوههم.
أحدهم انحنى نحوه بلطف
حبيبي رح نساعدك تمام؟
لم يرد.
لكن عينيه امتلأتا دموعًا من جديد.
في المستشفى
كل شيء
أسئلة
فحوصات
نظرات صامتة بين الأطباء.
وأنا
كنت واقفًا لا أتحرك
لكن داخلي كان ينهار.
جاءني الطبيب بعد فترة.
نظر إليّ نظرة لم أنسها حتى الآن.
لم تكن نظرة طبيب فقط
كانت نظرة شخص فهم شيئًا خطيرًا.
قال بهدوء
نحتاج نتحدث.
دخلنا غرفة جانبية.
أغلق الباب.
ثم قال جملة غيّرت كل شيء
ابنك تعرض لأذى وليس لمرة واحدة.
شعرت أن الأرض اختفت من تحتي.
قلت بصوت مبحوح
مين؟
تردد لثانية
ثم قال
لازم نبلغ الجهات المختصة.
لم أشعر بنفسي وأنا أجلس.
يدي كانت ترتجف.
رأسي يطن.
كل شيء بدأ يترابط.
كلامه
خوفه
نظراته
و جملة واحدة
ماما قالت لا تحكي.
بعد أقل من ساعة
دخلت موظفة من حماية الأسرة.
امرأة هادئة لكن عينيها حادتان.
جلست بجانبي.
قالت
بدنا نحكي مع ابنك لحاله.
نظرت إليها ثم إلى الباب.
ثم قلت
أنا رح أكون قريب.
وقفت خلف الزجاج.
أراه لكنه لا يراني.
جلس أمامها.
في البداية لم يتكلم.
كان صامتًا تمامًا.
ثم
بدأ.
ببطء.
بكلمات متقطعة.
لكن كل كلمة
كانت كطعنة.
رأيت تعابير وجهها تتغير.
من هدوء إلى صدمة
إلى غضب مكبوت.
وفي لحظة معينة
توقفت عن الكتابة.
ونظرت إليه
قالت له شيئًا لم أسمعه
لكنني رأيت رد فعله.
انفجر بالبكاء.
بكاء هستيري.
لم أتحمل.
دخلت.
ركعت أمامه.
احتضنته.
وهذه المرة
لم يبتعد.
تشبث بي
كأنه يغرق.
وقال جملة
لن أنساها ما حييت
بابا أنا حاولت أكون قوي بس ما قدرت.
في تلك اللحظة
لم أعد أبًا فقط.
كنت جدارًا.
كنت سلاحًا.
كنت كل شيء
لحمايته.
بعد ساعات
خرج التقرير.
والحقيقة أصبحت واضحة.
الشخص الذي كان يؤذيه
لم يكن غريبًا.
لم يكن شخصًا عابرًا.
كان
داخل البيت.
طلبت منهم اسمًا.
اسمًا واحدًا فقط.
لكنهم قالوا
لازم نكمل الإجراءات.
الإجراءات؟
كنت أريد أن أصرخ.
أن أكسر كل شيء.
لكن نظرت إلى ابني
فصمتّ.
في تلك الليلة
لم أنم.
جلست بجانبه في المستشفى.
يمسك يدي حتى وهو نائم.
كأنه يخاف أن أختفي.
عند الفجر
رنّ هاتفي.
اسمها.
أمه.
نظرت إلى الشاشة.
يدي شدّت على الهاتف.
قلبي لم يعد كما كان.
رددت.
بصوت هادئ أكثر مما توقعت
ألو.
قالت بسرعة
وينك؟ ليش ما رديت؟ وين معتصم؟
صمتّ لثوانٍ.
ثم قلت
بالمستشفى.
توقفت.
ثم قالت بارتباك
ليش؟ شو فيه؟
نظرت إلى ابني
ثم إلى الفراغ أمامي.
وقلت
خلص انتهى.
سكتت.
ثم سألت بصوت منخفض
شو
أخذت نفسًا عميقًا
وقلت الجملة التي كنت أعرف أنها ستغيّر كل شيء
كل شيء كنتي مخبيته.
الصمت الذي جاء بعدها
كان أثقل من أي صوت.
ثم أغلقت الخط.
نظرت إلى معتصم.
كان نائمًا لكن يده ما زالت تمسك يدي.
همست
أنا هون وما رح أتركك.
لكن في داخلي
كنت أعرف أن هذه
مجرد البداية.
وأن الحقيقة الكاملة
لم تظهر بعد.
لم تمر عشر دقائق
حتى وصلوا.
ليسوا أطباء ولا ممرضين.
رجال.
بملابس رسمية ونظرات لا تخطئها العين.
عرفت فورًا
التحقيق بدأ.
اقترب أحدهم مني وقال بهدوء
أنت والد الطفل؟
أومأت برأسي.
قال
نحتاج نأخذ إفادتك حالًا.
نظرت إلى معتصم.
كان نائمًا لكنه ما زال ممسكًا بيدي.
قلت
ما بتركه.
ردّ الرجل
ما رح نطوّل.
دخلت معهم غرفة صغيرة.
باب مغلق.
صوت المكيف فقط.
جلسوا أمامي
ووضع أحدهم ملفًا على الطاولة.
فتحوه.
وفي الداخل
صور.
تقارير.
ملاحظات.
أشياء لم أكن مستعدًا لرؤيتها.
قال أحدهم
بدنا نحكي بصراحة ابنك مش أول حالة.
رفعت رأسي فجأة
شو قصدك؟
تبادلوا نظرة سريعة.
ثم قال
في بلاغات سابقة بنفس النمط.
شعرت أن قلبي توقف.
من وين؟
قال ببطء
من نفس المكان اللي بيروح عليه الطفل.
لم
فهمت.
بيت أمه.
ضربت الطاولة بيدي
ليش ما تحركتوا قبل؟!
قال بهدوء بارد
ما كان في دليل كافي.
وهسا صار؟
نظر إليّ مباشرة
هسا في شاهد.
سكتّ.
ثم همس
ابنك.
خرجت من الغرفة
وكل شيء داخلي يغلي.
لكنني كنت هادئًا من الخارج.
بشكل مرعب.