قالت ابنتي إن سنّها يؤلمها… لكن ما حدث داخل العيادة جعلني أذهب إلى الشرطة فورًا
في أحد الأحياء الهادئة من بغداد، وتحديدًا في الكرادة، بدأت القصة بشكل عادي جدًا…
"أمي… هذا السن يؤلمني عندما أمضغ."
قالتها ليان، ابنتي ذات العشر سنوات، وهي تقف في المطبخ بزيّها المدرسي، حافية القدمين كعادتها.
في البداية، لم أقلق كثيرًا…
فالأطفال في مثل عمرها يشتكون كثيرًا.
لكن عندما كررت الشكوى للمرة الثانية في نفس الأسبوع، قررت أن أحجز لها موعدًا عند طبيب الأسنان صباح يوم السبت.
كان من المفترض أن يكون الأمر بسيطًا…
لكنه لم يكن كذلك أبدًا.
في اللحظة التي أخبرت فيها زوجي سالم، رفع نظره من هاتفه بسرعة غير معتادة وقال:
"سأذهب معكما."
تعجبت…
فهو لم يهتم يومًا بمثل هذه المواعيد.
بل كان يتهرّب دائمًا من طبيب الأسنان، ويقول مازحًا إنه قد يخلع سنّه بنفسه ولا يجلس على ذلك الكرسي.
لكن هذه المرة… أصر.
قلت له:
"إنه مجرد فحص."
ابتسم… لكن ابتسامته لم تصل إلى عينيه.
"لا بأس… أريد أن أكون موجودًا."
حاولت أن أقنع نفسي بأن الأمر طبيعي…
كنت دائمًا أقنع نفسي.
لم أرد أن أفكر في السبب الذي جعل ليان تتوتر كلما دخل الغرفة فجأة…
أو لماذا توقفت عن طلب مساعدته في واجباتها…
أو لماذا أصبحت تغلق باب الحمام
كنت أجد تفسيرًا لكل شيء…
لأن التفسير أسهل من الحقيقة.
تقلبات عمرية…
توتر…
ضغط…
أي شيء… إلا الحقيقة.
في صباح السبت، دخلنا عيادة أسنان في حي المنصور.
الرائحة المعتادة… نعناع وأدوية…
ومجلات قديمة على الطاولة.
جلست ليان بجانبي، صامتة هذه المرة… على غير عادتها.
أما سالم… فكان واقفًا، يراقب المكان بصمت.
طبيب الأسنان، الدكتور حيدر الكعبي، يعرف ليان منذ سنوات.
كانت دائمًا تشعر بالراحة معه…
لكن هذه المرة…
لم تشعر بذلك.
عندما نادتها الممرضة، نظرت ليان أولًا إلى سالم…
ثم إليّ.
كانت نظرة مختلفة…
نظرة لم أفهمها حينها.
قلت فورًا:
"سأدخل معها."
لكن سالم سبقني وقال:
"ندخل جميعًا."
داخل الغرفة…
كانت الإضاءة قوية… والجو باردًا.
جلست ليان على الكرسي، وصوتها بدا خافتًا.
بدأ الطبيب يطرح أسئلته المعتادة…
ثم فجأة…
توقّف.
رفع نظره ببطء…
ونظر مباشرة إلى سالم.
كانت نظرة طويلة… صامتة… لكنها مليئة بشيء ثقيل.
أنهى الفحص بسرعة غير معتادة، وقال إن كل شيء "طبيعي"…
لكن صوته لم يكن مطمئنًا.
وأثناء مغادرتنا…
اقترب الطبيب مني للحظة…
وكأنه
ووضع شيئًا في جيبي… بهدوء شديد.
وضعتُ يدي على جيبي دون أن ألفت الانتباه، بينما كنت أتابع السير خلف سالم الذي أمسك بيد ليان بقوة غير مبررة وكأنه يخشى أن تفلت منه
أو كأنه يريد أن يثبت لنفسه قبل أي أحد أنه المسيطر على كل شيء، وقد بدا في تلك اللحظة مختلفًا عمّا عرفته طوال سنوات، ليس بصوته ولا بحركته، بل بذلك التوتر الخفي الذي يحيط به ويجعله متيقظًا أكثر من اللازم.
خرجنا من العيادة، وكان ضوء النهار قويًا في شوارع المنصور، إلا أنني شعرت ببرودة غريبة تسري في أطرافي، برودة لا علاقة لها بالطقس ولا بالمكان، بل بشيء لم أفهمه بعد، شيء تركه الطبيب في جيبي.
ركبنا السيارة، وجلس سالم خلف المقود بسرعة، وأدار المحرك دون أن ينظر إليّ، ثم التفت إلى ليان وقال بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية:
"أرأيتِ؟ لا شيء يستحق القلق."
لم تجبه.
كانت تنظر إلى النافذة بصمت
نظرتُ إليهما من المرآة، وشعرت بأن المسافة بينهما، رغم قربهما، أبعد مما ينبغي.
قلت بهدوء:
"قال الطبيب إن نعود إن استمر الألم."
أجاب سالم بسرعة، وبنبرة أقرب إلى الحسم منها إلى الطمأنينة:
"لن يستمر."
توقفتُ عند طريقته في الكلام… لم تكن إجابة عادية، بل كانت أشبه بمعرفة
لم أعلّق.
طوال الطريق، كنت أشعر بوجود الورقة في جيبي، كأنها شيء حيّ ينتظر أن ألتفت إليه، وكأنها تحمل ثقلًا أكبر من حجمها بكثير.
وصلنا إلى المنزل.
دخل سالم أولًا، واتجه مباشرة إلى غرفة النوم دون أن يبدّل ملابسه أو يتحدث، وكأنه يريد أن يبتعد بسرعة، أو كأن وجوده معنا في نفس المكان أصبح يثقل عليه.
أما ليان، فتوجهت إلى غرفتها بهدوء غير معتاد، وأغلقت الباب خلفها دون أن تلتفت.
وقفتُ في الصالة وحدي.
لثوانٍ… لم أتحرك.
ثم أخرجت الورقة.
كانت مطوية بعناية، كما وضعها الطبيب تمامًا، وكأنه كان يعلم أنني سأفتحها بعيدًا عن أي عين.
فتحتها ببطء… وقرأت:
"الألم ليس سببه السن… راقبي سلوكها جيدًا، وإن لاحظتِ ما أشك فيه، اذهبي إلى الشرطة فورًا دون مواجهة أحد."
شعرت بأن الهواء من حولي قد تغيّر.
أعدت قراءة الجملة مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، وكأنني أحاول أن أجد تفسيرًا أبسط، معنى أقل قسوة، لكن الكلمات كانت واضحة، لا تقبل التأويل.
ليس سببه السن.
إذًا… ما الذي يسببه؟
وما الذي شكّ فيه الطبيب حتى يطلب مني الذهاب إلى الشرطة دون مواجهة أحد؟
رفعت رأسي ببطء، ونظرت نحو الممر المؤدي إلى الغرف، وشعور
في تلك اللحظة، لم أصرخ، لم أندفع، لم أفتح باب غرفة ليان.
بل فعلت شيئًا واحدًا فقط…
قررت أن أراقب.
في المساء، جلسنا على المائدة كالمعتاد، وكان كل شيء يبدو طبيعيًا لمن ينظر من الخارج، أطباق مرتبة، وصوت الملاعق، وحديث خفيف يحاول أن يملأ الصمت.